فهرس الكتاب
فقد أخرجه البخاري في كتاب «تقصير الصلاة» ، باب «ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر؟» (1081) ، ومسلم (693) من طريق يحيى بن أبي إسحاق، قال: سمعت أنسًا رضي الله عنه يقول:... فذكره، وفي آخره قال: (أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا) ، وفي رواية لمسلم: (خرجنا من المدينة إلى الحج...) وذكر مثله.
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المسافر يقصر الصلاة بعد خروجه من بلده ويستمر على ذلك حتى يرجع إلى بلده، ما لم يقطع ذلك السفر ويعزم على الإقامة.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الحجاج يقصرون بمكة ومنى وعرفة وإن كانت إقامتهم في هذه النواحي المتجاورة أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن أنسًا رضي الله عنه ذكر إقامتهم عشرة أيام، ومعلوم أن العشرة أيام لم تكن كلها بمكة، كما هو ظاهر اللفظ، وإنما مراده: مكة وما حواليها.
وقد نقل المجد ابن تيمية عن الإمام أحمد أنه قال: (إنما وجه حديث أنس أنه حَسَبَ مقام النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم بمكة ومنى، وإلا فلا وجه له غير هذا، واحتج بحديث جابر...) [ (1169) ] .
وهذا القصر بالنسبة للآفاقيين واضح؛ لأنهم مسافرون، وإنما الإشكال في قصر أهل مكة، والصواب كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (أنهم إنما قصروا لأجل سفرهم لا لأجل النسك، ولهذا لم يكونوا يقصرون بمكة وإن كانوا محرمين) [ (1170) ] .
وذلك لأنهم برزوا وقطعوا تلك المسافة وتزوَّدوا وباتوا وغابوا، وهذه من أوصاف السفر، وإلا فإن الإنسان قد يذهب من مكة إلى عرفة في ذلك الوقت لغرض ويرجع من ساعته أو يومه ولا يُعدُّ مسافرًا.
وقد وقع الخلاف بين العلماء في مدة الإقامة التي إذا أقامها أثناء سفره يأخذ حكم السفر وسبب الخلاف ـ كما يقول ابن رشد [ (1171) ] ـ أن الزمن أمر مسكوت عنه في الشرع، ولهذ استدل كل فريق بحال من الأحوال التي نقلت عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنه أقام فيها وقصر الصلاة.