الصفحة 1157 من 1487

وأما جمع التقديم فقد دل عليه أحاديث أخرى، كما تقدم في الجمع بعرفة بين الظهر والعصر في وقت الظهر، وكذا حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جمع بين الصلاتين في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء...) [ (1205) ] ، فهو يدل بعمومه على جمع التقديم وجمع التأخير، وكذا حديث معاذ رضي الله عنه: (أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخَّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجَّل العصر إلى الظهر وصلّى الظهر والعصر جميعًا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخَّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب) [ (1206) ] .

وقد أجمع العلماء على مشروعية الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم بعرفة، والجمع بين المغرب والعشاء ليلة مزدلفة، وممن حكى الإجماع ابن المنذر، وابن قدامة، والنووي، وابن رشد، وغيرهم [ (1207) ] ، ثم اختلفوا فيما عدا ذلك، فمنهم من منع الجمع إلا فيما ذُكِرَ، وهم الحنفية وبعض التابعين [ (1208) ] ، واحتجوا بأن المواقيت ثبتت بالتواتر، فلا يجوز تركها بخبر واحد، وحملوا أحاديث الجمع على الجمع الصوري، وهو أن يصلي الأولى في آخر وقتها، والأخرى في أول وقتها.

وهذا مذهب ضعيف لا يعوّل عليه، فإن الجمع ليس تركًا لأدلة المواقيت، لكنه تخصيص لها في بعض الحالات بسنة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وأما قولهم بالجمع الصوري فهو ضعيف أيضًا؛ لأن الجمع رخصة، وإيقاع كل صلاة في وقتها أهون مما ذكروه وضيقوا به.

ومن أهل العلم من قال بالجمع ثم اختلفوا على أقوال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت