الصفحة 772 من 1487

ولا يدل ذلك على التحريم، وإلا لقال: نهيت عن تشييد المساجد، وفرق بين اللفظين، لكنه يدل على أنه عمل غير مشروع، وقال الشوكاني: (والحديث يدل على أن تشييد المساجد بدعة) [ (1312) ] لأن المطلوب في بناء المساجد الاقتصار على ما أكنّ من الحر والبرد والمطر، ولكن لما طال العهد شيد الناس المساجد وزخرفوها، ورفعوا بنيانها فوق الحاجة، والمطلوب البعد عن ذلك، لأن هذا مما يشغل المصلين ويجعلهم ينظرون ويتأملون، فتحصل الغفلة عن الخشوع في الصلاة والإقبال عليها.

وقد ورد عن نافع أنَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مبنيًا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر رضي الله عنه وبناه على بنيانه في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبًا، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقَصّة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج [ (1313) ] .

قال ابن بطال، بعد أن ذكر آثارًا تدل على كراهة المغالاة في تشييد المساجد قال: (وهذه الآثار مع ما ذكر البخاري في هذا الباب تدل على أن السنّة في بنيان المساجد القصد وترك الغلو في تشييدها خشية الفتنة والمباهاة ببنائها.

وكان عمر رضي الله عنه قد فتح الله الدنيا على أيامه، ومكنه من المال، فلم يغير المسجد عن بنيانه الذي كان عليه في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم ثم جاء الأمر إلى عثمان، والمال في زمانه أكثر، فلم يزد أن جعل في مكان اللبن حجارة وقَصَّة [ (1314) ] ، وسقفه بالساج مكان الجريد، فلم يقصِّر هو وعمر عن البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن علم منهما من الرسول صلّى الله عليه وسلّم بكراهة ذلك، وليُقتدى بهما في الأخذ من الدنيا بالقصد والكفاية، والزهد في معالي أمورها وإيثار البلغة منها) [ (1315) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت