فهرس الكتاب
الوجه الرابع: حديث أبي سعيد رضي الله عنه دليل على مشروعية تطويل القراءة في الأوليين من الظهر، وعلى استحباب التخفيف في العصر، وذلك بأن تكون القراءة في الأوليين على النصف من الظهر، وقد ورد حديث أبي سعيد: (كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك) [ (207) ] .
وظاهر الحديث يقتضي أن الركعة الأولى والثانية سواء، وهذا يخالف حديث أبي قتادة رضي الله عنه المتقدم: (ويطول الركعة الأولى) ، وفي رواية أن النبي صلّى الله عليه وسلّم (كان يطول الركعة الأولى من صلاة الظهر، ويقصر في الثانية..) [ (208) ] ، وقد اختلف العلماء في الإجابة عن ذلك:
فمنهم من سلك مسلك الترجيح فرجَّح حديث أبي قتادة على حديث أبي سعيد لأمرين:
الأول: أنه متفق عليه، وحديث أبي سعيد في مسلم فقط.
الثاني: أن حديث أبي قتادة جاء بصيغة الجزم، وحديث أبي سعيد قال: (حزرنا قيامه) ، وفرق بين الجزم بالشيء وبين حزره وتقديره، على أنه قد يقال: إن التقدير بقراءة الآيات تقدير زمني، لا يلزم منه الفعل.
وسلك آخرون مسلك الجمع وهو أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يفعل هذا أحيانًا، ويفعل هذا أحيانًا، وهذا وجيه جدًا لأمرين:
الأول: أن القاعدة في الأصول أنه متى أمكن الجمع بين الدليلين فهو أولى من الترجيح، لأن الجمع عمل بكلا الدليلين، أما الترجيح ففيه ترك لأحدهما.
الثاني: أن الصلاة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، وقد تنوعت كثير من أقوالها وأفعالها، كما تقدم، وكما سيأتي، فيكون تنوع مقدار القراءة من هذا الباب، والله أعلم.