فهرس الكتاب

الصفحة 1026 من 1123

أصغر العلماء أعظم من أكبر الشعراء؛ فقد يكون الشاعر كأنه تلميذ في العلم، ثم يكون العلم كأنه تلميذ لقلب هذا الشاعر وعواطفه؛ ولئن عجز النقد العلمي أن ينال من الشاعر العبقري، لقديمًا عجز في كل أمة.

* هو عمر بن ذر الهمذاني الكوفي المتوفى سنة156 للهجرة وكان من أبلغ المتكلمين.

وقد كان فيمن حاولوا إسقاط شوقي من هو أوسع منه اطلاعًا على آداب الأمم، وأبصر بأغراض الشعر وحقيقته، وكان مع ذلك حاسدًا شانئًا قد ثقب في قلبه الحقد؛ والحاسد المبغض هو في اتساع الكلام وطغيان العبارة أخو المحب العاشق؛ فكلاهما يدور الدم في كبده معاني ووساوس، وكلاهما يجري كلامه على أصل مما في سريرته، فلا تجد أحدهما إلا عاليًا بمن يحب، ولا تجد الآخر إلا نازلًا نازلًا بمن يبغض ؛ وكان هذا الناقد شاعرًا، فانضاف شعره إلى حسده، إلى بغضه، إلى ذكائه، إلى اطلاعه، إلى جهده، إلى طول الوقت وتراخي الزمن؛ وهذه كلها مفرقات نفسية.. بعضها أشد من بعض كالبارود، إلى الديناميت، إلى الميلينيت؛ ولكن شوقي كان في مرتقى لم يبلغه الناقد، فانقلب جهد هذا عجزًا، وأصبح البارود والتراب في يده بمعنى واحد1..

ومن أعجب ما عجبت له من أمر هذا الناقد، أني رأيته يقرر لناس صواب الحقيقة بزعمه، فإذا هو يقرر غلطه وجهله وتعسفه؛ وهو في كل ما يكتب عن شوقي يكون كالذي يرى الماء العذاب وعمله في إنبات الروض وتوشيته وتلوينه، فيذهب يعيبه للناس بأنه ليس هو البنزين... الذي يحرك السيارات والطيارات!

تناول شوقي بعد موته فجرده من الشخصية، أي من حاسة الشعر، ومن إدراك السر لا يخلق الشاعر الحق إلا لإدراكه والكشف عن حقائقه؛ وكان فيما استدل به على ذلك أن لا يحسن وصف الربيع بمثل ما وصفه ابن الرومي في قوله:

تجد الوحوش بها كفايتهاوالطير فيه عتيدة الطعم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت