الصناعة: سيارة فورد وسيارة فيات، يمكن أن يقال مثل ذلك في بعض أنواع البلاغة العربية: استعارة امرئ القيس، وتشبيه امرئ القيس.
ولكن تحقيق هذا الباب وإحصاء ما انفرد به الشاعر وتأريخ كلماته البيانية مما لا يستطيعه باحث وليس لنا فيه إلا الوقوف عند ما جاء به النص.
ولقد نبهنا في"إعجاز القرآن"إلى مثل هذا؛ إذ نعتقد أن أكثر ما جاء في القرآن الكريم كان جديدًا في اللغة، لم يوضع من قبله ذلك الوضع ولم يجر في استعمال العرب كما أجراه، فهو يصب اللغة صبًّا في أوضاعه لأهلها لا في أوضاع أهلها؛ وبذلك يحقق من نحو ألف وأربعمائة سنة ما لا نظن فلسفة الفن قد بلغت إليه في هذا العصر؛ إذ حقيقة الفن على ما نرى أن تكون الأشياء كأنها ناقصة في ذات أنفسها ليس في تركيبها إلا القوة التي بنيت عليها، فإذا تناولها الصنع الحاذق الملهم أضاف إليها من تعبيره ما يشعرك أنه خلق فيها الجمال العقلي، فكأنها كانت في الخلقة ناقصة حتى أتمها.
وهذا المعنى الذي بيناه هو الذي كان يحوم عليه الرواة والعلماء بالشعر قديمًا، يحسونه ولا يجدون بيانه وتأويله، فترى الأصمعي مثلًا يقول في شعر لبيد؛ إنه طيلسان طبري. أي محكم متين، ولكن لا رونق له؛ أي فيه القوة وليس فيه الجمال؛ أي فيه التركيب وليس فيه الفن.
والعقل البياني كما قلنا في غير هذه الكلمة، هو ثروة اللغة، وبه وبأمثاله تعامل التاريخ، وهو الذي يحقق فيها فنَّ ألفاظها وصورها؛ فهو بذلك امتدادها الزمني وانتقالها التاريخي وتخلقها مع أهلها إنسانية بعد إنسانية في زمن بعد زمن، ولا تجديد ولا تطور إلا في هذا التخلق متى جاء من أهله والجديرين به؛ وهو العقل المخلوق للتفسير والتوليد وتلقي الوحي وأدائه واعتصار المعنى من كل مادة وإدارة الأسلوب على كل ما يتصل به من المعاني والآراء، فينقلها من خلقتها وصيغها العالية إلى خلق إنسان بعينه، هو هذا العبقري الذي رزق البيان.