وللسبب الذي أومأنا إليه بقي امرؤ القيس كالميزان المنصوب في الشعر العربي يبين به الناقص والوافي؛ قال الباقلاني في كتابه"الإعجاز": وقد ترى الأدباء أولًا يوازنون بشعر"يريد امرأ القيس"فلانًا وفلانًا ويضمون أشعارهم إلى شعره، حتى ربما وازنوا بين شعر من لقيناه"توفي الباقلاني سنة 403 للهجرة"وبين شعره في أشياء لطيفة وأمور بديعة، وربما فضلوهم عليه أو سووا بينهم وبينه أو قربوا موضع تقدمه عليهم وبروزه بين أيديهم، ا هـ.
ومعنى كلامه أن امرأ القيس أصل في البلاغة، قد مات ولا يزال يخلق، وتطورت الدنيا ولا يزال يجيء معها، وبلغ الشعر العربي غايته ولا تزال عربية عند الغاية.
وعرض الباقلاني في كتابه طويلة امرئ القيس* فانتقد منها أبياتًا كثيرة، ليدل بذلك على أن أجود شعر وأبدعه وأفصحه وما أجمعوا على تقدمه في الصناعة والبيان، هو قبيل آخر غير نظم القرآن لا يمتنع من آفات البشرية ونقصها وعوارها؛ فركب في ذلك رأسه ورجليه معًا... فأصاب وأخطأ، وتعسف وتهدى، وأنصف وتحامل؛ وكل ذلك لمكانة امرئ القيس في ابتكاره البياني الذي لا يمكن أن يدفع عنه؛ ولما انتقد قوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤهاتمتعت من لهو بها غير معجل
قال:"فقد قالوا: عنى بذلك أنها كبيضة خدر في صفائها ورقتها، وهذه كلمة حسنة ولكن لم يسبق إليها بل هي دائرة في أفواه العرب". ألا ليت شعري هل كان الباقلاني يسمع من أفواه العرب في عصر امرئ القيس قبل أن يقول"وبيضة خدر"؟
على أن الكناية عن الحبيبة"بيضة الخدر"من أبدع الكلام وأحسن ما يؤتى العقل الشعري، ولو قالها اليوم شاعر في لندن أو باريس بالمعنى الذي أراده امرؤ القيس -بما فسرها به الباقلاني- لاستبدعت من قائلها ولأصبحت مع القبلة على كل فم جميل؛ بل هم يمرون في بعض بيانهم من طريق هذه الكلمة، فيكنون عن البيت الذي يتلاقى فيه الحبيبان"بالعش"، وما يتخذ العش إلا للبيضة. إنما عني الشاعر العظيم أن حبيبته في نعومتها وترفها ولين ما حولها، ثم في مسها وحرارة الشباب فيها، ثم في رقتها