فهرس الكتاب

الصفحة 1076 من 1123

نفسها تبتسم بكلام الشاعر كما تبتسم بأزهارها ونجومها، ويجعل الشاعر أداة طبيعية متخذة لكشف الحكمة وتغطيتها معًا؛ فإن العجب الذي ليس أعجب منه في التدبير الإلهي للنفوس الحساسة -أن زخرفة الشعر وما يجري مجراه في الفن إنما هي ضرب من زخرف الطبيعة حين تبتدع الشكل الجميل لتتمم أغراضها من ورائه؛ ولو ثارت الأزهار -مثلًا- على الوجود وخالقه ثورة أولئك الشعراء لما صنعت شيئًا غير إفساد حكمتها هي وما يتصل بهذه الحكمة من المصالح والمنافع، ولن تنتصر إلا ببقائها أزهارًا، فذلك حربها وسلمها معًا.

وأسلوب شاعرنا أسلوب جزل، أو إلى الجزالة، تبدو اللغة فيه وعليها لون خاص من ألوان النفس الجميلة يزهو زهوه فيكثر منه في النفس تأثيرها وجمالها، وهذه هي لغة الشعر بخاصته؛ ولا بد أن ننبه هنا إلى معنى غريب، وذلك أنك تجد بعض النظامين يحسنون من اللغة وفنون الأدب، فإذا نظموا وخلا نظمهم من روح الشعر- ظهرت الألفاظ في أوزانهم وكأنها فقدت شيئًا من قيمتها، كأن موضعها ثم هو الذي أعلن إفلاسه؛ إذ أقام مقام الذي يريد أن يعطي ثم هو إذا وقف لا يصنع شيئًا إلا أن يعتذر بأنه لم يجد ما يعطيه.. فهذا كان رجلًا من الناس، وكان في ستر وعافية، فلما وقف موقفه انقلب مدلسًا كاذبًا مدعيًا فاختلفت به الحال وهو هو لم يتغير.

وما الأسلوب البياني إلا وسيلة فنية لمضاعفة التعبير، فإن لم يكن هذا ما يعطيه كان وسيلة فنية أخرى لمضاعفة الخيبة؛ وهذا ما تحسه في كثير من شعر النظامين أو البديعيين في العصور الميتة، وتحسه في الشعر الميت الذي لا يزال ينشر بيننا.

وعلي طه إذا حرص على أسلوبه وبالغ في إتقانه واستمر بجريه على طريقته الجيدة متقدمًا فيها، متعمقًا في أسرار الألفاظ وما وراء الألفاظ، وهي تلك الروعة البيانية التي تكون وراء التعبير وليس لها اسم في التعبير، معتبرًا اللغة الشعرية -كما هي في الحقيقة- تأليفًا موسيقيًا لا تأليفًا لغويًا.. فإنه ولا ريب سيجد من إسعاف طبعه القوي، وعون فكره المشبوب، وإلهام قريحته المولدة- ما يجمع له النبوغ من أطرافه، بحيث يعده الوجود من كبار مصوريه، وتتخذه الحياة من بلغاء المعبرين عنها في العربية؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت