سنة 214؛ فكل المصرية في شعر أبي تمام هي في هجائه للشاعر المصري يوسف السراج، ولعلها في بعض مقاطيع أخرى من الغزل أو الوصف.
3-ولد أبو تمام في سنة 188 أو190، ومن الثابت أنه كان بمصر في سنة 214، حين نظم قصيدته الدالية والنونية في رثاء عمير بن الوليد -وعمير هذا ليس مصريًّا، بل هو من خراسان، وكان بمصر عاملًا لأبي إسحاق المعتصم بن الرشيد فلو كان أبو تمام قد جاء إلى مصر طفلًا كما يقال لكانت مدة قوله الشعر فيها لا تقل عن عشر سنوات، مع أن كل ما نظمه وهو فيها لا يبلغ عشر قصائد؛ وهذا ديوانه بين أيدينا وإليه وحده المرجع في الدلالة على صاحبه.
4-روى المرزباني في"الموشح"عن العباس بن خالد البرمكي قال: أول ما نبغ"أي قال الشعر"أبو تمام الطائي أتاني بدمشق يمدح محمد بن الجهم فكلمته فيه فأذن له؛ فدخل عليه وأنشده، ثم خرج فأمر له بدراهم يسيرة، ثم قال: إن عاش هذا ليخرجن شاعرًا.
فهذا نص على أن الشاعر لم يكن يومئذ إلا في ابتداء الشعر، ولم يكن قد خرج شاعرًا بعد وكان شعره من الطبقة التي يثاب عليها"بدراهم يسيرة". وأبو تمام بعد ذلك هو نفسه الذي نثر عليه عبد الله بن طاهر ألف دينار فترفع أن يمسها وترك الخدم ينتهبونها، وكان ذلك سببًا في تغير ابن طاهر عليه.
5-نقل ابن خلكان في ترجمة ديك الجن الشاعر الحمصي المشهور، عن عبد الله بن محمد بن عبد الملك الزبيدي قال: كنت جالسًا عند ديك الجن،"يعني بحمص"فدخل عليه حدث فأنشده شعرًا عمله، فأخرج ديك الجن من تحت مصلاه درجًا كبيرًا فيه كثير من شعره، فسلمه إليه وقال: يا فتى تكسب بهذا واستعن به على قولك. فلما خرج سألته عنه فقال: هذا فتى من أهل جاسم، يذكر أنه من طيء، يكنى أبا تمام، واسمه حبيب بن أوس، وفيه أدب وذكاء وله قريحة وطبع. فهذا نص آخر على أن أبا تمام كان يومئذ حدثًا -أي غلامًا- وكان لا يزال يطلب الأدب، وقد أعانه أستاذه بنسخ من قصائده يتخرج بها ويحذو عليها؛ فهو قد نشأ في الشام وتأدب فيها.