رجحناه، وسنه بين21 و23 سنة فيكون قد نظم هذه القصيدة في سنة 215، وعمره يومئذ بين 26 و28 سنة؛ فلو أن أبا تمام جاء من الشام طفلًا صغيرًا فكيف للطفل أن يقول مثل هذا الشعر بعد خمس سنوات؟ وما هجر الحبيب"وصبابة ما أبقى الصدود من الوصل"؟
9-مدح شاعرنا محمد بن حسان الضبي بقصيدة نونية يذكر فيها تنقله في البلاد فقال فيها:
بالشام أهلي، وبغداد الهوى، وأنابالرقمتين، وبالفسطاط إخواني
وما أظن النوى ترضى بما صنعتحتى تشافه بي أقصى خراسان!
فأنت ترى أنه جعل أهله بالشام، وجعل أصدقاءه بمصر؛ فلو أنه كان قد نشأ بها لجعل بها أهله؛ إذ لا ينشأ إلا مع أبيه وأمه، والبيت الثاني دليل منه هو على أنه لم ينزل بمصر مقيم ولا متوطنًا، بل متنقلًا كما نزل بغيرها.
10-تقول كتب الأدب في مدارس الحكومة: إن أبا تمام نقل إلى مصر صغيرًا فنشأ بها وقد بينا فساد ذلك، ثم خرج إلى مقر الخلافة فمدح المعتصم؛ وهذا غير صحيح؛ فإن أبا تمام خرج من مصر قبل أن يدخلها المأمون في سنة 216، حين جاءها وقتل بها عبدوس الفهري؛ فلو كان الشاعر يومئذ لمدح المأمون، وذكر هذه الواقعة، والمعتصم ولي الخلافة سنة 218، وديوان أبي تمام يثبت أنه في سنة 217، كان بالعراق، وقد مدح المأمون بقصيدته الميمية، وذكر في مدحه وقعة الروم، وهذه كانت في تلك السنة.
يخلص من كل ما تقدم أن أبا تمام ولد في الشام وتأدب فيها، وقدم إلى مصر كبيرًا يتكسب بالشعر، فأقام بها بين خمس سنين وست، ولم يجد له عيشًا بها بعد قتل عمير بن الوليد الذي قتل في سنة 214؛ فإنه كان يعيش في كنفه، وقد صرح في قصيدته النونية التي رثاه بها أنه يأمل من بعده في ابنه محمد.
فقدوم الشاعر إلى مصر كان في سنة210 أو حواليها، وخروجه منها كان في سنة215 أو حواليها، والله أعلم.