فهرس الكتاب
ولو كان الأستاذ وأمثاله هم في هذا القياس المتر والكيلومتر، لوجب ألا أجد من يذوق كلامي ويعجب به ويغالي فيه ويكون ذنبًا من ذنوبي عند الله بإسرافه في المغالاة، وأنا واجد لكل واحد مثل الأستاذ طه عشرة ومائة من غيره، ولو خرج هو إلى العالم لرأى وسمع، وفيهم من هم أعلى منه كعبًا وأمد عنقًا وأضخم هامة وأبدع بديعًا وأبلغ وأزكى وأعلم إلى عدد من هذه الواوات.
وعجبت للدكتور يريد أن لا يفهم من عبارتي كما يقول إلا أن"الذوق هو نفس الفهم، فاللفظان يدلان على معنى واحد، وإذن وإذن وإذن..".
فهل يرى إذا قلت له: رأيت القمر وفلانة ليلة كذا فكانت إنما هي القمر -أني أقصد بهما معنى واحدًا فيقول لها:"وإذن"فليسا شيئين مختلفين وإنما هو شيء واحد، وإذن فكيف صار لها وجه في السماء ووجه في الأرض وبقيت مع ذلك امرأة من الإنس؛ وإذن فهذا كلام لا يفهم...
قال بعضهم إن"لو"تفتح عمل الشيطان، يريد أنها أداة التمني، والمذهب الجديد سيضم"إذن"إلى"لو"ثم ما هي الكلمة الثالثة يا ترى؟
أنا -مع إعجابي بالدكتور الفاضل- أرى أنه مستهتر بأشياء، وأن من خلقه أن ما لا يرضى عنه وما لا يفهمه"ليسا شيئين مختلفين". فإذا لم يكن من الفهم بد قال: إنه لا يقتنع، فإذا ضايقته وضيقت عليه لم يبق إلا ما يقول النحاة في"أي"التي حيرهم إعرابها وبناؤها: أي كذا خلقت...
وأنا وأمثالي إنما نحرص أشد الحرص على هذه اللغة؛ لأنها أساس الأمة الإسلامية فلا نرضى غلا أن يكون هذا الأساس ثابتًا متينًا لا يزعزعه شيء ولا يثلمه شيء ولا يضعفه شيء؛ والدكتور وأمثاله لا يبالون أن تكون هذه الأمة كبيوت أمريكا المتحركة...
لست أنكر التجديد، بل لعل الدكتور يذكر مناقشتي إياه في"الجريدة"وإصراره يومئذ أن ليس لأحد أن يدخل في اللغة كلمة، وأن قول الناس تنزه ومتنزه ونزهة الخ كلها منا لكلام العامي، وتعلقه بنص ابن سيده في ذلك، واستخراجي له نص ابن قتيبة