فهرس الكتاب
كانت أنوثتهن أبدًا صاعدة متسامية فوق موضعها بهذه القناعة وبهذه التقوى، ولا تزال متسامية صاعدة، على حين تنزل المطامع بأنوثة المرأة دون موضعها، ولا تزال أنوثتها تنحدر ما بقيت المرأة تطمع؛ ورب ملكة جعلتها مطامع الحياة في الدَّرك الأسفل، وهي باسمها في الوهم الأعلى!
وقد روينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"اطَّلعتُ في الجنة فإذا أقل أهلها النساء، فقلت: أين النساء؟ قال: شغَلَهن الأحمران: الذهب والزعفران" [1] أي: الطمع في الغنى والعمل له، والميل إلى التبرج والحرص عليه.
رأيت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- فقيرات مقتورًا عليهن الرزق، غير أن كلا منهن تعيش بمعاني قلبها المؤمن القوي، في دار صغيرة فرشتها الأرض ولكنها من معاني ذلك القلب كأنها سماء صغيرة مختبئة بين أربعة جدران. إنهن لم يبتعدن عن الغنى إلا ليبعدن عن حماقة الدنيا التي لا تكون إلا في الغنى.
أف أف! أتريدون أن أزوج ابنتي من ابن أمير المؤمنين فيخزيها الله على يدي، وأدفعها إلى القصر وهو ذلك المكان الذي جمع كل أقذار النفس ودَنَس الأيام والليالي؛ أَأُزوجها رجلًا تعرف من فضيلة نفسها سقوط نفسه، فتكون زوجة جسمه ومطلقة روحه في وقت معًا؟
ألا كم من قصر هو في معناه مقبرة، ليس فيها من هؤلاء الأغنياء رجالهم ونسائهم إلا جيف يبلي بعضها بعضًا!
(1) - هذان هما فتنة النساء في كل دهر، وهذا الحديث من المعجزات، فالذهب كناية عن المال والحلى وما كان من بابهما، أما الزعفران ففيها المعجزة؛ لأنها كناية مطلقة فهمها العرب دلالة على الثياب المصبغة، ونفهم منها نحن كل أنواع زينة النساء، من المساحيق والعطور, إلى"المودة"التي هي أصباغ معنوية لأشكال الثياب. وقد كان العرب يقولون: غمرت المرأة وجهها إذا طلته بالزعفران ليصفو لونها. ويقولون من ذلك: امرأة مغمرة، وتغمرت، أي: فعلت ذلك."فالزعفران"كما ترى، كناية تدخل فيها"البودرة"والأدهان المختلفة، وكل ما أفسد وجه المرأة ليفسد حياتها الاجتماعية.
ونفس الأنثى ليست أنثى، ولكن شغلها بذلك التبرج وذلك الحرص وذلك الطمع هو يخصصها بخصائص الجسد، ويعطيها من حكمه، وينزلها على إرادته؛ وهذه هي المزلة، فتهبط المرأة أكثر مما تعلو، وتضعف أكثر مما تقوى، وتفسد أكثر مما تصلح. إن نفس الأنثى لرجل واحد، لزوجها وحده.