قال الشيخ: إذن فبعض أشياء النفس تمحو في بعض الأحوال كل أشياء الدنيا، أو الأشياء الكثيرة من الدنيا.
قال: نعم.
قال الإمام: يرحمك الله؛ كذلك مُحي عندنا أمير المؤمنين وابن أمير المؤمنين، ومحي المال والغنى، ولم يكن ذلك عندنا إلا سعادة؛ ومن رحمة الله أن كل من هدي سبيله بالدين أو الحكمة، استطاع أن يصنع بنفسه لنفسه سعادتها في الدنيا، ولو لم يكن له إلا لقيمات؛ فإن السعة سعة الخلق لا المال، وإن الفقر فقر الخُلُق لا العيش.
قال الراوي: ثم إن الإمام العظيم التفت إلى الناس وقال: أما إني -علم الله- ما زوجتُ ابنتي رجلًا أعرفه فقيرًا أو غنيًّا، بل رجلًا أعرفه بطلًا من أبطال الحياة، يملك أقوى أسلحته من الدين والفضيلة. وقد أيقنتُ حين زوجتها منه أنها ستعرف بفضيلة نفسها فضيلة نفسه، فيتجانس الطبع والطبع, ولا مَهْنَأ لرجل وامرأة إلا أن يجانس طبعه طبعها، وقد علمتُ وعلم الناس أن ليس في مال الدنيا ما يشتري هذه المجانسة، وأنها لا تكون إلا هدية قلب لقلب يأتلفان ويتحابَّان.
ثم قال الإمام: وأنا فقد دخلتُ على أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم [1] - ورأيتهن في دورهن يقاسين الحياة، ويعانين من الرزق ما شح دَرّه فلا يجيء إلا كالقطرة بعد القطرة، وهنّ على ذلك، ما واحدة منهن إلا هي ملكة من ملكات الآدمية كلها، وما فقرهن إلا كبرياء الجنة نظرتْ إلى الأرض فقالت: لا...! [2] .
يجاهدْنَ مجاهدة كل شريف عظيم النفس، همه أن يكون الشرف أو لا يكون شيء؛ ويرى الغافل أن مثلهن هالكات في تعب الجهاد، ويعلمن من أنفسهن غير ما يري ذلك المسكين, يعلمن أن ذلك التعب هو لذة النصر بعينها.
(1) - توفي سعيد بن المسيب سنة إحدى وتسعين للهجرة أو حولها، وكان قد لقي جماعة من الصحابة وسمع منهم، ودخل على أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخذ عنهن، وكان متزوجًا ابنة أبي هريرة الصحابي الجليل، وعنه أكثر روايته.
(2) - انظر مقالة:"درس من النبوة"في الجزء الثاني من هذا الكتاب.