وطلع الشيخ عليهم وكأنما قرأ نفس أبي معاوية في وجهه المتفتح. ومن عجائب الحكمة أن الذي يُلمَح في عيني المبصر من خوالج نفسه، يُلمح على وجه الضرير مكبرا مجسما. وكان الشيخ لا يأنس بأحد أنسه بأبي معاوية؛ لذكائه وحفظه وضبطه، ولمشاكلة الظرف الروحي بينهما؛ فقال له:
-"فيم كان أبو معاوية؟".
-"كان أبو معاوية في الذي كان فيه!".
-"وما الذي كان فيه؟".
-"هو ما تسأل عنه؟".
-"فأجبني عما أسأل عنه".
-"قد أجبتك!".
-"بماذا أجبت؟".
-"بما سمعت!".
فقبَّض وجه الشيخ وقال:"أههنا وهناك معًا؟ لو أن هذا من امرأة غضبى على زوجها لكان له معنى، بل لا معنى له ولا من امرأة غضبى على زوجها. أحسب لولا أن في منزلي من هو أبغض إلي منكم ما خرجت؟"فقال الضرير:"يا أبا محمد، كأننا زوجات العلم، فأيتنا التي حَظِيَتْ وبظيت".
فغطى الجماعة أفواههم يضحكون، وتبسم الشيخ، ثم شرع يحدث فأفضى من خبر إلى خبر، وتسرح في الرواية حتى مر به هذا الحديث:
عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"إن هلاك الرجال طاعتهم لنسائهم".
قال الشيخ: كان الحديث بهذا اللفظ، ولم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم:"هلاك الرجل طاعته لامرأته"؛ فإن هذا لا يستقيم؛ إذ يكون بعض النساء أحيانًا أكمل من بعض الرجال، وأوفر عقلًا وأسد رأيًا، وقد تكون المرأة هي الرجل في الحقيقة عزمًا وتدبيرًا وقوة نفس، ويتلين الرجل معها كأنه امرأة. وكثير من النساء يكن نساء بالحلية والشكل دون ما وراءهما، كأنما هُيئن رجالًا في الأصل ثم خُلقن نساء بعد، لإحداث ما