فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 1123

ثم أرى بغتة رجلًا فردًا, أكاد أنظر إليه وينظر إلي حتى يضع في قلبي مسألة تحتاج إلى الحل.

وأرتاع لذلك فأحاول تناسيه والإغضاء عنه، فتلِجّ المسألة في طلب حلها، وتشغَل خاطري، وتتمدد في قلبي؛ وهو هو المسألة.

فأفزع لذلك وأهتم له، وأجهد جهدي أن أكون مرة حازمة بصيرة، كرجال المال في حق الثروة عليهم؛ ومرة قاسية عنيدة، كرجال الحرب في واجبها عندهم؛ ومرة خبيثة منكرة، كرجال السياسة في عملها بهم؛ ولكني أرى المسألة تلين لي وتتشكَّل معي وتحتمل هذه الوجوه كلها، لتبقى حيث هي في قلبي؛ فإنه هو هو المسألة.

وأغتم لذلك غمًّا شديدًا، وأراني سأسقط بعد سقوطي الأول وأقبح منه؛ إذ الحياة عندنا قائمة بالخداع، وهذا يُفسده الإخلاص؛ وبالمكر، وهذا يعطله الوفاء؛ وبالنسيان، وهذا يبطله الحب؛ وإذ عواطفنا كلها متجردة لغرض واحد، هو كسب المال وجمعه وادخاره؛ وفضيلتنا عملية لا تُتخيَّل، حسابية لا تختل؛ فيستوي عندنا الرجل بلغ جماله القمر في سمائه، والرجل بلغت دَمَامته الذباب في أقذاره؛ والحب معنا هو: كم في كم ويبقى ماذا, أو كما يقول أهل السياسة: هو"النقطة العملية في المسألة". ولكن المسألة التي في قلبي لا ترى هذا حلًّا لها؛ لأنه هو هو المسألة.

فيزيد بي الكرب، ويشتد علي البلاء، وأحتال لقلبي وأُدَبِّر في خنقه، وأذهب أقنعه أن الرجل إذا كان شريفًا لم يحب المرأة الساقطة؛ إذ يُعاب بصُحْبتها والاختلاف إليها، فإذا كان ساقطًا لم تحبه هي، فإنما هو صيدها وفريستها، وموضع نِقْمتها من هذا الجنس؛ وأشرف على قلبي في المَلَامة والتعذيل فأقول له: ويحك يا قلبي! إن المرأة منا إذا تفتح قلبها لحبيب، تفتح كالجرح لينزف دماءه لا غير. فيقتنع القلب ويجمع على أن ينسى، وأن يرجع عن طلبه الحب؛ وأرى المسألة قد بطلت وكان بطلانها أحسن حل لها، وأنام وادعة مطمئنة، فيأتي هو في نومي ويدخل في قلبي، ويعيد المسألة إلى وضعها الأول، فما أستيقظ إلا رأيته هو هو المسألة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت