فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 1123

وكان لا يسمع بقادمه من العرب له اسم وشرف، إلا تصدى له فدعاه إلى الله وعرض نفسه عليه؛ ومع ذلك بقيت الدعوة تلوح وتختفي كما يشق البرق منسحابة على السماء, ليس إلا أن يرى ثم لا شيء بعد أن يرى!

فهذا تاريخ ما قبل الهجرة في جملة معناه، غير أني لم أقرأه تاريخا، بل قرأت فيه فصلا رائعا من حكمة إلهية، وضعه الله كالمقدمة لتاريخ الإسلام في الأرض؛ مقدمة من الحوادث والأيام تحيا وتمر في نسق الرواية الإلهية المنطوية على رموزها وأسرارها، وتظهر فيها رحمة الله تعمل بقسوة، وحكمة الله تتجلى في غموض؛ فلو أنت حققت النظر لرأيت تاريخ الإسلام يتأله في هذه الحقبة، بحيث لا تقرؤه النفس المؤمنة إلا خاشعة كأنها تصلي، ولا تتدبره إلا خاضعة كأنها تتعبد.

بدأ الإسلام في رجل وامرأة وغلام، ثم زاد حرا وعبدا؛ أليست هذه الخمس هي كل أطوار البشرية في وجودها، مخلوقة في الإنسانية والطبيعة، ومصنوعة في السياسة والاجتماع؛ فها هنا مطلع القصيدة، وأول الرمز في شعر التاريخ.

ولبث النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة لا يبغيه قومه إلا شرا، على أنه دائب يطلب ثم لا يجد، يعرض ثم لا يقبل منه، ويخفق ثم لا يعتريه اليأس، ويجهد ثم لا يتخونه الملل، ويستمر ماضيا لا يتحرف، ومعتزما لا يتحول؛ أليست هذه هي أسمى معاني التربية الإنسانية أظهرها الله كلها في نبيه، فعمل بها وثبت عليها، وكانت ثلاث عشرة سنة في هذا المعنى كعمر طفل ولد ونشأ وأحكم تهذيبه بالحوادث، حتى تسلمته الرجولة الكاملة بمعانيها من الطفولة الكاملة بوسائلها؟

أفليس هذا فصلا فلسفيا دقيقا يعلم المسلمين كيف يجب أن ينشأ المسلم, غناه في قلبه، وقوته في إيمانه، وموضعه في الحياة موضع النافع قبل المنتفع، والمصلح قبل المقلد؛ وفي نفسه من قوة الحياة ما يموت به في هذه النفس أكثر ما في الأرض والناس من شهوات ومطامع؟

ثم أليست تلك العوامل الأخلاقية هي هي التي ألقيت في منبع التاريخ الإسلامي ليعب منها تياره؛ فتدفعه في مجراه بين الأمم، وتجعل من أخص الخصائص الإسلامية في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت