فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 1123

هذه الدنيا, الثبات على الخطوة المتقدمة وإن لم تتقدم، وعلى الحق وإن لم يتحقق؛ والتبرؤ من الأثرة وإن شحت عليها النفس، واحتقار الضعف وإن حكم وتسلط، ومقاومة الباطل وإن ساد وغلب، وحمل الناس على محض الخير وإن ردوا بالشر، والعمل للعمل وإن لم يأت بشيء، والواجب للواجب وإن لم يكن فيه كبير فائدة، وبقاء الرجل رجلا وإن حطمه كل ما حوله؟

ثم هي هي البرهانات القائمة للدهر قيام المنارة في الساحل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم تثبت ببرهان الفلسفة وعلوم النفس أنه روح وغاياتها المحتومة بالقدر، لا جسم ووسائله المتغلبة بالطبيعة؛ ولو كان رجلا ابتعثته نفسه، لتمحل الحيل لسياسته، ولأحدث طمعا من كل مطمع، ولركد مع الحوادث وهب، ولما استمر طوال هذه المدة لا يتجه وهو فرد إلا اتجاه الإنسانية كلها كأنما هو هي.

ولو هو كان رجل الملك أو رجل السياسة، لاستقام والتوى، ولأدرك ما يبتغي في سنوات قليلة، ولأوجد الحوادث يتعلق عليها، ولما أفلت ما كان موجودًا منه يتعلق به، ولما انتزع نفسه من محله في قومه وكان واسطة فيهم، ولا ترك عوامل الزمن تبعده وهي كانت تدنيه.

قالوا: إن عمه أبا طالب بعث إليه حين كلمته قريش فقال له: يابن أخي، إن قومك قد جاءوني فقالوا لي: كذا وكذا، فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء1، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال:"يا عماه، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته". ثم استعبر صلى الله عليه وسلم فبكى.

يا دموع النبوة! لقد أثبت أن النفس العظيمة لن تتعزى عن شيء منها بشيء من غيرها كائنا ما كان، لا من ذهب الأرض وفضتها، ولا من ذهب السماء وفضتها إذا وضعت الشمس في يد والقمر في الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت