وكل حوادث المدة قبل الهجرة على طولها لست إلا دليل ذلك الزمن على أنه زمن نبي، لا زمن ملك أو سياسي أو زعيم؛ ودليل الحقيقة على أن هذا اليقين الثابت ليس يقين الإنسان الاجتماعي من جهة قوته، بل يقين الإنسان الإلهي من جهة قلبه؛ ودليل الحكمة على أن هذا الدين ليس من العقائد الموضوعة التي تنشرها عدوى النفس للنفس؛ فها هو ذا لا يبلغ أهله في ثلاث عشرة سنة أكثر مما تبلغ أسرة تتوالد في هذه الحقبة؛ ودليل الإنسانية على أنه وحي الله بإيجاد الإخاء العالمي والوحدة الإنسانية. أفلم يكن خروجه عن موطنه هو تحققه في العالم؟
ثلاث عشرة سنة, كانت ثلاثة عشر دليلًا تثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس رجل ملك، ولا سياسة، ولا زعامة؛ ولو كان واحدا من هؤلاء لأدرك في قليل؛ وليس مبتدع شريعة من نفسه، وإلا لما غبر في قومه وكأنه لم يجدهم وهم حوله؛ وليس صاحب فكرة تعمل أساليب النفس في انتشارها؛ ولو كان لحملهم على محضها وممزوجها؛ وليس رجلا متعلقا بالمصادفات الاجتماعية، ولو هو كان لجعل إيمان يوم كفر يوم؛ وليس مصلح عشيرة يهذب منها على قدر ما تقبل منه سياسة ومخادعة، ولا رجل وطنه تكون غايته أن يشمخ في أرضه شموخ جبل فيها، دون أن يحاول ما بلغ إليه من إطلاله على الدنيا إطلال السماء على الأرض، ولا رجل حاضره إذا كان واثقا دائما أن معه الغد وآتيه، وإن أدبر عنه اليوم وذاهبه؛ ولا رجل طبيعته البشرية يلتمس لها ما يلتمس الجائع لبطنه، ولا رجل شخصيته يستهوي بها ويسحر، ولا رجل بطشه يغلب به ويتسلط، ولا رجل الأرض في الأرض، ولكن رجل السماء في الأرض.
1 أي نشأ له رأي جديد فيه، وهذا كما يقولون: رجع عن رأيه.
هذه هي حكمة الله في تدبيره لنبيه قبل الهجرة, قبض عنه أطراف الزمن، وحصره من ثلاث عشرة سنة في مثل سنة واحدة، ولا تصدر به الأمور مصادرها كي تثبت أنها لا تصدر به، ولا تستحق به الحقيقة لتدل على أنها ليست من قوته وعمله.