فهرس الكتاب

الصفحة 476 من 1123

قطع الصحراء تأكل منه ولا يأكل منها، فأنضاه السفر وحسره الكلال وتحته الثقل الذي يحمله، فجاء ببنية غير التي كان قد خرج بها. وكانت أيامي هذه عمرا كاملا من الشقاء، جعلتني أوقن أن هؤلاء الناس في الحياة إن هم إلا كالدواب تحت أحمالها؛ لا تختار الدابة ما تحمل ولا من تحمل، ولا يترك لها مع هذا أن تختار الطريق ولا مدة السير؛ وليس للدابة إلا شيئان: صبرها وقوتها، إن فقدتهما هلكت، وإن وهنا فيها كان ضعفها بحسب ذلك.

إن هناك أوقاتا من الشقاء والبؤس تقذف بالإنسان وراء إنسانيته وإنسانية البشر جميعا، لا تبالي كيف وقع وفي أي واد هلك، فلا ينفع الإنسان حينئذ إلا أن يعتصم بأخلاق الحيوان في مثل رضاه الذي هو أحكم الحكمة في تلك الحال، وصبره الذي هو أقوى القوة، وقناعته التي هي أغنى الغنى، وجهله الذي هو أعلم العلم، وتوكله الذي هو إيمان فطرته بفطرته، لا يبالي الحيوان مالا ولا نعيما، ولا متاعا ولا منزلة، ولا حظا ولا جاها، ولن تجد حمار الملك يعرف من الملك أكثر مما يعرف حمار السقاء من السقاء، ولعلك لو سألتهما وأطاقا الجواب لقال لك الأول: إن الذي فوق ظهري ثقيل مقيت بغيض؛ ولقال لك الثاني: إن الذي يركبه خفيف سهل سمح!

ولكن بلاء الإنسان إنه حين يطوحه البؤس والشقاء وراء الإنسانية، لا ينظر لغير الناس، فيزيده ذلك بؤسا وحسرة، ويمحق في نفسه ما بقي من الصبر, ويقلب رضاه غيظا، وقناعته سخطا، ويبتليه كل ذلك بالفكرة المهلكة أعجزها أن تهلك أحدًا فلا تجد من تدمره غير صاحبها؛ فإذا هي وجدت مساغا إلى الناس فأهلكت وعاثت وأفسدت، فجعلت صاحبها إما لصا أو قاتلا أو مجرما، أي ذلك تيسر!

قال: وكنت أعرف في البصرة فلانا التاجر من سراتها ووجوه أهلها، فاستطرقته؛ فإذا هو قد تحول إلى خراسان، وليس يعرفني أحد في البصرة ولا أعرف أحدًا غيره، فكأنما نكبت مرة ثانية بغارة شر من تلك، غير أنها قطعت علي في هذه المرة طريق أيامي، وسلبتني آخر ما بقي لنفسي، وهو الأمل!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت