فهرس الكتاب

الصفحة 477 من 1123

ورأيت أنه ما من نزولي إلى الأرض بد، فأكون فيها إنسانا كالدابة أو الحشرة: حياتها ما اتفق لا ما تريد أن يتفق؛ وأنه لا رأي إلا أن أسخر من الشهوات فأزهد فيها وأنا القوي الكريم، قبل أن تسخر هي مني إذ جئتها وأنا الطامع العاجز!

وفي الأرض كفاية كل ما عليها ومن عليها، ولكن بطريقتها هي لا بطريقة الناس؛ وما دامت هذه الدنيا قائمة على التغيير والتبديل وتحول شيء إلى شيء، فهذا الظبي الذي يأكله الأسد لا تعرف الأرض أنه قد أكل ولا أنه افترس ومزق، بل هو عندها قد تحول قوة في شيء آخر ومضى؛ أما عند الناس فذلك خطب طويل في حكاية أوهام من الخوف والوجل، كما لو اخترعت قصة خرافية تحكيها عن أسد قد زرع لحما, فتعهده فأنبته فحصده فأكله، فذهب الزرع يحتج على آكله، وجعل يشكو ويقول: ليس لهذا زرعتني أنت، وليس لهذا خرجت أنا تحت الشمس، وليس من أجل هذا طلعت الشمس علي وعليك!

والإنسان يرى بعينيه هذا التغيير واقعا في الإنسانية عامتها وفي الأشياء جميعها؛ فإذا وقع فيه هو ضج وسخط، كأن له حقا ليس لأحد غيره، وهذا هو العجيب في قصة بني آدم، فلا يزال فيها على الأرض كلمات من الجنة لا تقال هنا ولا تفهم هنا؛ بل محل الاعتراض بها حين يكون الإنسان خالدًا لا يقع فيه التغيير والتبدليل. ومن هذا كان خيال اللذة في الأرض هو دائما باعث الحماقة الإنسانية.

قال أبو عبيد: وذهبت أعتمل بيدي وجسمي على آلام من الفاقة والضر، ومن الخيبة والإخفاق، ومن إلجاء المسكنة، وإحواج الخصاصة؛ فلقد رأيتني وإن يدي كيد العبد، وظهري كظهر الدابة، ورجلي كرجل الأسير، وعنقي كعنق المغلول، ويطلع قرص الشمس على الدنيا ويغيب عنها وما أعتمل إلا بقرص من الخبز، ولقد رأيتني أبذل في صيانة كل قطرة من ماء وجهي سحابة من العرق حتى لا أسأل الناس، ويا بؤسا لي إن سألت وإن لم أسأل!

وما كان يمسكني على هذه الحياة المرمقة، تأتي رمقا بعد رمق في يوم يوم -إلا كلام الشعبي- الذي سمعته في مسجد الكوفة، وقوله فيمن قتل نفسه؛ فكان كلامه نورا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت