فهرس الكتاب

الصفحة 478 من 1123

صدري يشرق منه كل يوم مع الصبح صبح لإيماني. ولكن بقيت أيام نعمتي الأولى ولها في نفسي ضربان من الوجع كالذي يجده المجروح في جرحه إذا ضرب عليه، فكان الشيطان لا يجد منفذا إلي إلا منها. وفقدت الصديق وعونه، فما كان يقبل على صديق إلا في أحلامي من وراء الزمن الأول!

قال مجاهد: والحبيب؟

فتبسم الرجل وقال: إذا فرغت الحياة من الذي هو أقل من الممكن، فكيف يكون فيها الذي هو أكثر من الممكن؟ إن جوع يوم واحد يجعل هذه الحياة حقيقة جافية لا شعر فيها، ويترك الزمن وما فيه ساعة واحدة معطرة, والبؤس يقظة مؤلمة في القلب الإنساني تحرم عليه الأحلام، وما الحب من أوله إلى آخره إلا أحلام القلوب بعضها ببعض!

قال أبو عبيد: وتضعضعت لهذه الحياة المخزية وأبرمتني أيامها، وحملت في الميت والحي، ورأيت الشيطان -لعنه الله- كأنما اتخذني وعاء مطرحا على طريقه يلقي فيه القمامة، وظهر لي قلبي في وساوسه كالمدينة الخربة ضربها الوباء، فأعمر ما فيها مقبرتها؛ وعاد البؤس وقاح الوجه لا يستحيي، فلا أراه إلا في أرذل أشكاله وأبردها، ولقد يكون البؤس لبعض الناس على شيء من الحياء فيأتي في أسلوب معتذر كالمرأة الدميمة في نقابها.

وقلت لنفسي: ما هو -والله- إلا القتل، فهذا عمر أراه كالأسير أقيم على النطع وسل عليه السيف، فما ينتقم منه المنتقم بأفظع من تأخير الضربة، وما يرحمه الراحم بأحسن من تعجيلها!

وبت أؤامر هذه النفس في قتلها وأحدثها حديث الموت، فسددت رأيي فيه وقالت: ما تصنع بجسم كالمتعفن أصبح كالمقبور لا أيام له إلا أيام انقراضه وتفتيته؟ بيد أني ذكرت كلام"الشعبي"في ذلك المجلس وأنا أحفظه كله، فجعلت أهذه1 ما أترك منه حرفا، واتخذته متكلما مع نفسي لا كلاما، كنت كلما غلبني الضعف رفعت به صوتي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت