فهرس الكتاب

الصفحة 479 من 1123

وأصغيت كما أصغي إلى إنسان يكلمني فرأيت الشيطان بعد ذلك كاللص إذا طمع في رجل ضعيف منفرد، ثم لما جاءه وجد معه رجلا ثانيا قويا فهرب!

قال أبو عبيد: ونالني روح من الاطمئنان وجدت له السكينة في قلبي فنمت، فإذا الفزع الأكبر الذي لا ينساه من سمع به، فكيف الذي رآه بعينيه؟

رأيتني ميتا في يد غاسله يقلبه ويغسله كأنه حرقة؛ ثم حملت على النعش كأن الحاملين قد رفعوني يقولون: انظروا أيها الناس كيف يصير الناس؛ ثم صلى علي الإمام الشعبي في مسجد الكوفة، ثم دليت في قعر مظلمة وهيل التراب علي، وتركت وحيدًا وانصرفوا!

وما أدري كم بقيت على ذلك ثم رأيت كأنما نفخ في الصور وبعثرت الأموات جميعا، فطرنا في الفضاء، وكانت النجوم غبارًا حولنا كتراب العاصفة في العاصفة، وإذا نحن في عرصات القيامة وفي هول الموقف!

وتوجهت بكل شعرة في جسمي إلى الرجاء في رحمة الله؛ ورأيت أعمالي رؤية أحزنتني، فهي كمدينة عظيمة كل أهلها صعاليك إلا قليلا من المستورين، أرى منهم الواحد بعد الواحد في الساعة بعد الساعة ندروا وتبعثروا وضاعوا كأعمالي الصالحة!

1 الهذ: الإسراع في القراءة.

وذكرت أني كدت أقتل نفسي فرارًا بها من العمر المؤلم؛ فنظرت فإذا الزمن قد ظهر في أبديته، ورجع الماضي حاضرا بكل ما حوى كأنه لم يمض، وإذا عمري كله لا يكاد يبلغ طرفة عين من دهر طويل، فحمدت الله أن لم أفتد ألم اللحظة القصيرة القصيرة، بعذاب الأبد الخالد الخالد الخالد.

وجيء على أعين الخلق بأنعم أهل الدنيا وأكثرهم لذات في تاريخ الدنيا كله، فصاح صائح: هذا أنعم من كان على الأرض منذ خلقها الله إلى أن طواها.

ثم غمس هذ المنعم في النار غمسة خفيفة كنبضة البرق، وأخرج إلى المحشر، وقيل له والناس جميعا يسمعون: هل ذقت نعيما قط؟ قال: لا والله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت