فهرس الكتاب

الصفحة 526 من 1123

2 المستغلات: أصول الأموال، وتغلل واستغل بمعنى.

ولعمري، كم من فقيه يقول للناس: هذا حرام. فلا يزيد هذا الحرام إلا ظهورًا وانكشافًا ما دام لا ينطق إلا نطق الكتب، ولا يحسن أن يصل بين النفس والشرع، وقد خلا من القوة التي تجعله روحا تتعلق الأرواح بها وتضعه بين الناس في موضع يكون به في اعتبارهم كأنه آت من الجنة منذ قريب، راجع إليها بعد قريب.

والفقيه الذي يتعلق بالمال وشهوات النفس، ولا يجعل همه إلا زيادة الرزق وحظ الدنيا -هو الفقيه الفاسد الصورة في خيال الناس، يفهمهم أول شيء ألا يفهموا عنه؛ إذ حرصه فوق بصيرته، وله في النفوس رائحة الخبز، وله معنى: خمس وخمس عشرة1, وكأن دنياه وضعت فيه شيئا فاسدًا غريبًا يفسد الحقيقة التي يتكلم بها؛ ولست أدري ما هو هذا الشيء، ولكني رأيت فقهاء يعظون ويتكلمون على الناس في الحرام والحلال وفي نص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم لم أجد لكلامهم نفعا ولا ردًا، إذ يلهمون الناس بأرواحهم غير المعنى الذي يتكلمون فيه؛ وتسخر الحقيقة منهم -على خطرهم وجلال شأنهم- بذات الأسلوب الذي تسخر به من لص يعظ لصا آخر فيقول له: لا تسرق.

قال ابن مسكين: فلما دار يوم السبت أقبل الناس على المسجد أفواجًا، وكانوا قد تعالموا إزماعي الرحيل عن بلدهم, وجاء"لقمان الأمة"في أشياعه وأصحابه، وجاء أبو إسحاق المفتي في جماعته؛ واستقر بي المجلس فنفذت الناس بنظري، فكأنهم من كثرتهم نبات غطى الأرض، فأذكرني هذا شيخنا السري بن مغلس السقطي2، وكان قد لزم دراه في بغداد لا يخرج منها ولا يراه إلا من قصد إليه، وهممت أن أجعل الموعظة في شرح كلمته المشهورة:"لا تصح المحبة بين اثنين حتى يقول أحدهما للآخر: يا أنا". وما نقلوه عنه من أنه قال مرة لبعض أصحابه: منذ ثلاثين سنة وأنا في الاستغفار من قولي:"الحمد لله". فقال صاحبه: وكيف ذلك؟ قال: وقع ببغداد حريق، فاستقبلني رجل فقال: نجا حانوتك. فقلت: الحمد لله فأنا نادم من ذلك الوقت على ما قلت؛ إذ أردت لنفسي خيرًا من الناس!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت