فهرس الكتاب

الصفحة 544 من 1123

ويوسوس في قلوبهم، حتى لهو يد بين كل يدين، وحتى لهو العين الثلاثة لعيني كل إنسان؟

قالوا: إن في روحه النارية قوة تفصل منها وتنتشر في الأرض، كشعاع الشمس من الشمس: هذه كرة نارية ميتة معلقة على الأجسام مرصدة لها، وتلك كرة نارية حية معلقة على النفوس مرصدة لها، وبهذه وتلك عمار الدنيا وأهل الدنيا.

قلت: لعلكم أردتم أن تقولوا: خراب الدنيا وأهل الدنيا. فغلطتم، فكان ينبغي أن يجيء بدل الغلط...

فقال أحدهم: يا أبا الحسن، خرق الثوب المسمار، جاز هنا لأمن اللبس أن يكون المفعول به -وهو الثوب- مرفوعا وفاعله -وهو المسمار- منصوبًا، هل جئت -ويحك- تطلب النحو أو تطلب الشيطان؟

قال أبو الحسن: فقطعني الجني -والله- وأخجلني، ونظرت خلسة إلى الشيخ أراه كيف يسخر مني، فإذا الشيخ وقد املس فلا أراه، وإذا أنا وحدي بين الجن وبإزاء هذا الساخر وضعت عينه في جبهته وشق فمه في قفاه...! فسري عني وزال ما أجده، وقلت في نفسي: الآن أبلغ أربي من الشيطان ويكون الأمر على ما أريد، فلا أجد من أحتشم ولا تقطعني هيبة الشيخ!

ووقع هذا الخاطر في نفسي، فاستعذت بالله ولعنت الشيطان وقلت: هذا أول عبثه بي وجعله إياي من أهل الرياء، كأن لي شأنا في حضور الشيخ وشأنا في غيابه، وكأني منافق أعلن غير ما أسر، وقلت: إنا لله! كدت يا أبا الحسن تتشيطن!

ثم هممت أن أنكص على عقبي، فقد أيقنت أن الشيخ إنما تخلى عني لأكون هنا بنفسي لا به، وما أنا هنا إلا به لا بنفسي، فيوشك إذا بقيت في موضعي أن أهلك! بيد أن المغارة انكشفت لي فجأة فما ملكت أن أنظر؛ ونظرت فما ملكت أن أقف، ووقفت أرى، فإذا دخان قد هاج فارتفع يثور ثورانه حتى ملئ المكان به، ثم رق ولطف.

واستضرمت منه نار عظيمة لها وهجان شديد يتضرم بعضها في بعض، ويسمع من صوتها معمعة قوية، ثم خمدت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت