قالوا: وإنه مع ذلك موقر بأمثال الجبال حديدا يربض به في محبسه، فلا يتزحزح ولا يتحلحل.
قلت: وإنه مع ذلك قد ملأ الدنيا فسادًا، فكيف به لو كان طليقا؟
قالوا: فلو أنه كان طليقا لاستحوذ على الناس كافة؛ فيجتمع أهل الأرض على شهوة واحدة لا شيء غيرها، فيبطل مع هذه الشهوة الواحدة كل تدبير بينهم، فلا تقوم لهم سياسة، ولا يكون بينهم وازع؛ فيرجعون كالكلاب أصابها الكلب وهاج بها، فأنيابها في لحمها، لا يزال يعض بعضها بعضا، فليس لجميعها إلا عمل واحد يسلمها إلى الهلاك، ويصبح ظهر الأرض أعرى من سراة أديم.
وإنما يصلح الناس باختلاف شهواتهم وتنافرها وتنازعها: فبعضها يحكم بعضا، وشيء منها يزع شيئان ومن تخلص من نزوة قمع بها نزوة أخرى؛ كالمتزوج المحصن؛ يحكم بالجلد والرجم على من ليست له امرأة فزنا؛ وكالغني الواجد؛ يحكم على اللص الذي لم يجد فسرق، وهلم جرًا.
1 غبغب الثور وغببه: ما تثنى من لحم ذقنه من أسفل.
وما ينشأ الناس في ثلاثة أعمار، فيشبون ويكتهلون ويهرمون، إلا لتختلف شهواتهم وتختلف مقادير الرغبة فيها، فتتحقق من ثم تلك الحكمة الإلهية في التدبير ويجد الشرع محله بينهم، كما يجد العصيان بينهم محله.
ولو أن أمة كلها أطفال أو كهول أو شيوخ، لبادت في جيل واحد؛ وإنه ليس أسمج من الرذيلة تكون وحدها في الأرض إلا الفضيلة تكون وحدها، فلا بد من شيء يظهر به شيء غيره كالضد والضد؛ والمعركة إذا انتصر كل من فيها كانت هزلا وكانت شيئا غير المعركة.
قال أبو الحسن: وقلت لهم: فإذا كان الشيطان سجينا قد ربضت به أثقاله، حتى لهو في سجن من سجن مبالغة في كفه والتضييق عليه, فكيف يفتن الناس في أرجاء الأرض