فتبسم الشيخ وقال: ولا بد أن ترى الشيطان وتكلمه؟
قلت: لا بد.
قال: إنه هو يقولها، فقم!
قال أبو الحسن: وكان الشيخ إذا مشى إلى أمر خارق بقيت معه غائبا عن الحس، كأنه يبطل مني ما أنا به أنا، فأصبح ظلا آدميا معلقا به. ولا تقع الخوارق إلا لمن وجد القوة المكملة لروحه، وهذه القوة تستمد من الشيخ الواصل، فلا بد من إمام يأخذ عن إمام، كأنها سلسلة نفسية متميزة في الأرض، فتتغير الواحدة منها بالواحدة، إذ تقع في جوها فتورق وتثمر؛ كالشجرة: جو يكسوها، وجو يذبلها، وجو يسلبها سلبا؛ وكذلك تفعل النفس إذا كان لها جو.
وخرجنا من دمشق وأنا خلف الشيخ كالمحمول، فرأيتنا وقد أشرفنا على بناء عظيم، ورأيت أقوامًا يتلقون الشيخ ويسلمون عليه ويتبركون بمقدمه؟ فأنكرتهم نفسي ووجدت منهم وحشة، فالتفت إلي الشيخ وقال: هؤلاء من الجن، وما إليهم قصدنا، فلا تشتغل بما ترى واشتغل بي.
ثم ننتهي إلى البناء العظيم، فتستقبلنا طائفة أخرى، ويدخلون الشيخ وأنا خلفه، ويمرون بنا على دنيا مخبوءة تعجز الوصف، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت؛ فيقولون: هذه كنوز سليمان وذخائره، ويطوفون بالشيخ يعرضونها عليه كنزا كنزًا، فرأينا ثم نعيما وملكا كبيرًا، ثم انتهينا آخرًا إلى مغارة خسيفة كأنها عرق من عروق جسم الأرض، يتفجر منها دوي كالرعد القاصف، إلا أنه في السمع كخوار الثور، إلا أنه ثور خيل إلي أن رأسه في قدر جبل عظيم، يتعلق به غبغب1 في قدر جبل آخر، على جسم يسد الخافقين، فخواره كأنه صراخ الأرض، وإذا أنا بأقبح مكان منظرًا، وأنتنه ريحا، كأنه سجن بناؤه من الجيف.
فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا سجن إبليس، وهو هنا في هذه المغارة منذ زمن سليمان عليه السلام.
قلت: أفمسجون هو؟