فهرس الكتاب
ولما ألممت بحوار الضباط الثلاثة قلت لصاحبي: استأذن لي عليهم أكلمهم. ففعل وعرفني إليهم، وترجم لهم مقالة"يا شباب العرب"وكان يحملها.
فكأنما رماهم منها بالجيش والأسطول.
ثم قلت لكبيرهم: لست أنكر أن الإنجليزي لو دخل جهنم لدخلها إنجليزيا. ولا أجحد أن له في الحياة مثل هداية الحيوان، لأنه رجل عملي؛ دليل منفعته أنها منفعته وحسب، ثم لا دليل غير هذا ولا يقبل إلا هذا. فإذا قال الشرقي: حقي، وقال الإنجليزي: منفعتي، بطلت الأدلة كلها، ورأى الشرقي أنه مع الإنجليزي كالذي يحاول أن يقنع الذئب بقانون الفضيلة والرحمة.
وقد عرفنا أن في السياسة عجائب، منها ما يشبه أن يلقى إنسان إنسانا فيقول له: يا سيدي العزيز، بكل احترام أرجوا أن تتلقى مني هذه الصفعة...
وفي السياسة مواعيد عجيبة، منها ما يشبه غرس شجرة للفقراء والمساكين، والتوكيد لهم بالأيمان أنها ستثمر رغفانا مخبوزة, ثم بعد ذلك تطعم فتثمر الرغفان المخبوزة حشوها اللحم والإدام.
وفي السياسة محاربة المساجد بالمراقص, ومحاربة الزوجات بالمومسات، ومحاربة العقائد بأساتذة حرية الفكر، ومحاربة فنون القوة بفنون اللذة، ولكن لو فهم الشباب أن أماكن اللهو في كل معانيها ليست إلا غدرا بالوطن في كل معانيه!
ولو عرف الشباب أن محاربة اللهو هي أول المعركة السياسة الفاصلة!
ولو أدرك الشباب أن أول حق الوطن عليه أن يحمل في نفسه معنى الشعب لا معنى نفسه!
ولو رجع الدين الإسلامي كما هو في طبيعته آلة حربية تصنع من الشباب رجال القوة!
ولو علم الشباب أن روح هذا الدين ليست: اعتقد ولا تعتقد, ولكن افعل ولا تفعل.
ولو أيقن الشباب أن فرائض هذا الدين ليست إلا وسائل علمية لامتلاء النفس بمعاني التقديس!