فهرس الكتاب

الصفحة 804 من 1123

وكانت نفس ابن العمدة من النفوس الخيالية المتوثبة؛ إذ قامت من نشأتها على أن تطلب فتجاب، وتأمر فتطاع، وتشتهي فتجد؛ وكأنه ما خلق إلا ليستعيد قلبي والديه، وكانا ساذجين لا يعرفان من علم التربية إلا أن للحكومة مدارس للتربية، وموسرين لا يفهمان من معنى الحاجة في هذه الدنيا إلا أنها الحاجة إلى المال، منقطعين من النسل إلا منه، فكأنه لم يولد لهما، بل قد ولدا له.. فله الأمر عليهما من كونه لا أمر لهما عليه؛ وبذلك أسرف له من فضائل الرقة والحنان والإشفاق وما إليها، وهي في نفسها فضائل، ولكن متى أسرف بها الآباء على أولادهم لم تنشئ في أولادهم إلا مما يكون من أضدادها، كالشجر تفرط عليه الري فلا يحدث فيه إلا اليبس والذوي، وإنما أنت تستقيه الموت ما دمت ترويه بمقدار من هواك بمقدار حاجته.

ونشأ الفتى في أحوال اجتماعية مختلفة جعلت من أخص طباعه تمويه نفسه على الناس، والتباهي بالغنى، والتنبل بالأصدقاء والحاشية من وزرائه وعماله، والتهيؤ بالثياب والأزياء؛ فانصرف باطنه إلى تجميل ظاهره، ورد ظاهره على باطنه بالشهوات والدنايا، وأعانه على ذلك أنه جميل فاتن كأنما خلقت صورته"للصفحة الحساسة"من قلوب النساء؛ وذلك ملك عظيم لم يكن أبوه الرجل الطيب منه إلا كما يكون وزير مالية الدولة.. ولما أرسل إلى باريس وقع منها في بلد عجيب كأنه خيال متخيل لا يؤمه رجلًا في الدنيا من كامل أو ناقص وعالم أو جاهل وشريف أو ساقط إلا رأى فيه ما يملأ كل مداخل نفسه ومخارجها، فلو قامت مدينة من أحلام النفوس الإنسانية في خيرها وشرها وطهرها وفجورها واختلالها ونظامها لكانت هي باريس؛ وانقطع الشاب هناك إلى نفسه وإلى صور نفسه من أصدقاء السوء، فلا أهل فيلزموه الفضيلة، ولا إخوان فيردوه إلى الرأي، ولا خلق متبين فيعتصم به، ولا نفس مرة فيفيء إليها، ولا فقر... فيحد له حدودًا في الشهوات يقف عندها؛ وما هو إلا خيال متوقفد ومزاج مشبوب وتربية مدللة وطبع جريء ومال يمر في إنفاقه، ومن ورائه أب غني مخدوع كأنه في يد ابنه كرة الخيط: كلما جذب منها مدت له مدًا، ثم ما هنالك من فنون الجمال ومتع اللذات وأسباب اللهو، مما يتناهى إليه فساد الفاسد، وما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت