هو في ذاته كأنه عقوبة مستأصلة للأخلاق الطيبة؛ فكان الشيطان الباريسي من هذا المسكين في سمعه وبصره ورجله ويده، ويجهه حيث شاء؛ وبالجملة فقد ذهب ليدرس فدرس ما شاء ورجع أستاذًا في كل علوم النفس المختلة الطائشة وفنونها، وأضاف إلى هذه وتلك كلمات يلوي بها لسانه من علوم وأقاويل ليس فيها إلا ما ما يدل الحاذق على أن هذا الشاب لم يفلخ قط في مدرسة.
فلما وقعت"خضراء"منه ذلك الموقع وأخذت مأخذها في نفسه، اعتدها نزوة من نزواته؛ فما بمثله أن يحب مثلها، ولا هي كفايته في شيء إلا أن تكون لهو ساعة من ساعاته، أو حادثة تجري فيها حال من أحواله الغرامية؛ وحسبها امرأة ليس لقلبها أبواب تمتنع على مثله، فقدر أن غناه وفقرها يقتلعان بابًا، وعلمه وجهلها يحطمان بابًا آخر، وجماله وحده يضع ما بقي من الأقفال عما بقي من الأبواب! وكان يحسب أن جمال المرأة من المرأة كالحلية من بائعيها؛ فكل من ملك ثمنها فليس بينه وبينها إلا هذا الثمن؛ ولكن الأيام جعلت تأتي وتمر وهو لا يزيد على أن يعرض لها وهي ترميه من صدودها كل يوم بداعية من دواعي الهوى؛ وكان لا يجد بنفسه قوة أن يزيدها على النظر شيئًا، وترك لوجهه وثيابه ونظراته وغناه أن تصل بين قلبه وقلبها بسبب، فلم ينل طائلًا؛ وتمادى في حبه، واستولت عليه فكرة مرته بهذه المرأة؛ أما هي فأشعرتها غريزتها بما في قلبه منها، وكانت مسماة لابن عمها* فكانت تتحاشى هذا الشاب وتحذره حذرًا شديدًا، وتتوهم أن الناس يحصون عليها النظرة والالتفاتة ويحصون عليه في مثلهما، ووقع في نفسها أن لهذا الرجل شأنًا غير شأن الرجال الآخرين، فهم لا يستطيعون معها حيلة وهو يستطيعها بغناه ومنزلته.
وكان للرجل خادم داهية قد تخرج في مجالس القضاء.. من كثرة ما حكم عليه في تزوير واحتيال وغش وادعاء وإنكار ونحوها، وقد استخلصه لنفسه واتخذه موانسًا ورفيقًا؛ وجعله دسيسًا** إلى شهواته السافلة وكان يسميه فيما بينهما"إبليس"؛ فلما أراد أن يرميها به قال: يا سيدي، هذه قضية احتيال عليها، فإذا دخل ابن عمها خصمًا في الدعوى كانت قضية احتيال على عمري أنا! قال: ويحك أيها الأبله! فأين دهاؤك