فهرس الكتاب

الصفحة 882 من 1123

بعضها، وانقطع ما بيننا وبين البعض الآخر؛ وإذا نحن نبذنا لخمر، والفجور، والقمار، والكذب، والرياء؛ وإذا أنفنا من التخنث، والتبرج، والاستهتار بالمنكرات، والمبالغة في المجون، والسخف، والرقاعة، وإذا أخذنا في أسباب القوة، واصطنعنا الأخلاق المتينة: من الإرادة، والإقدام، والحمية، وإذا جعلنا لنا صبغة خاصة تميزنا من سوانا، وتدل على أننا أهل روح وخلق -إذا كان ذلك كله فلعمري أي ضير في ذلك كله، وهل تلك إلا الأخلاق الإسلامية الصحيحة، وهل في الأرض نهضة ثابتة تقوم على غيرها؟

إن من خصائص هذا الدين الأخلاقي أنه صلب فيما لا بد للنفس الإنسانية منه إذا أرادت الكمال الإنساني، ولكنه مرن فيما لا بد منه لأحوال الأزمنة المختلفة مما لا يأتي على أصول الكريمة. وليس يخفى أنه لا يغني غناء الدين شيء في نهضة الأمم الشرقية خاصة، فهو وحده الأصل الراسخ في الدماء والأعصاب. ومتى نهض المسلمون وهم مادة الشرق، نهض إخوانهم في الوطن والمنفعة والعادة من أهل الملل الأخرى، واضطروا أن يجانسوهم في أغلب أخلاقهم الاجتماعية، ولا حجر على حريتهم في ذلك إلا كبعض الحجر على حرية المريض إذا أوجرته الدواء المر.

ولما كان المسلمون إخوة بنص دينهم، وكانت مبادئهم واحدة، ومنافعهم واحدة، وكتابهم واحد؛ فلا جرم كان من السهل -لو رجعوا إلى أخلاق دينهم وانتبذوا ما يصدهم عنها- أن يؤلفوا من الشرق كله دولًا متحدة يحسب لها الغرب حسابًا ذا أرقام لا تنتهي..

إن هذا الشرق في حاجة إلى المبادئ والأخلاق، وهي مع ذلك كامنة فيه، ومستقبله كامن فيها؛ غير أنها لا تصلح في الكتب ولا في الفنون، بل في الرجال القائمين عليها. فالقلوب والأدمغة هي أساس النهضة الصحيحة الثابتة، وإذا نحن تأملنا هذه النهضة الراهنة وجدنا أساسها خربًا من جهات كثيرة، ووجدنا المكان الذي لا يملؤه إلا القلب الكبير ليس فيه إلا خيال كاتب من الكتاب والموضع الذي لا يسده إلا الرأس العظيم قد سدته قطعة من صحيفة...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت