فهرس الكتاب
ولقد تنبأ نبي هذا الدين صلى الله عليه وسلم بهذه الحالة التي انتهى إليها الشرق العربي بإزاء الغرب، فقال لأصحابه يومًا: كيف بكم إذا اجتمع عليكم بنو الأصفر* اجتماع الأكلة على القصاع؟ فقال عمر رضي الله عنه: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله أم من كثرة؟ قال: بل من كثرة، ولكنكم غثاء كغثاء السيل** قد أوهن قلوبكم حب الدنيا.
فوهن القلب بحب الدنيا -على ما ينطوي في هذه العبارة من المعاني المختلفة- هو علة الشرق، ولا دواء لهذه العلة غير الأخلاق، ولا أخلاق بغير الدين الذي هو عمادها، ألا وإن أساس النهضة قد وضع، ولكن بقيت الصخرة الكبرى وستوضع يومًا، وهذا ما اعتقده؛ لأن الغرب يدفع معنا هذه الصخرة؛؛ ليقرها في موضعها من الأساس وهو يحسب أنه يدفعنا نحن إلى الحفرة ليدفعنا فيها..
وهذا عمى في السياسة لا يكون إلا بخذلان من الله قدره وقضاه.
* بنو الأصفر: هم الروم ومن إليهم من الأوربيين.
** الغثاء: ما يحمله السيل من الهشيم ونحوه مما تحطم وتعفن ولا قيمة له ولا قوة فيه.
وإني أرى أنه لا ينبغي لأهل الأقطار العربية أن يقتبسوا من عناصر المدنية الغربية اقتباس التقليد، بل اقتباس التحقيق، بعد أن يعطوا كل شيء حقه من التمحيص ويقلبوه على حالتيه الشرقية والغربية؛ فإن التقليد لا يكون طبيعة إلا في الطبقات المنحطة، وصناعة التقليد وصناعة المسخ فرعان من أصل واحد، وما قلد المقلد بلا بحث ولا روية إلا أتى على شيء في نفسه من ملكة الابتكار وذهب ببعض خاصيته العقلية؛ على أننا لا نريد من ذلك ألا نأخذ من القوم شيئًا؛ فإن الفرق بعيد بين الأخذ في المخترعات والعلوم، وبين الأخذ من زخرف المدنية وأهواء النفس وفنون الخيال