فهرس الكتاب
قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا [البقرة: 214] ، {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 1 - 2] الجنة إذن لابد لها من ثمن، وهى سلعه غالية وقد دفعه أصحاب الدعوات السابقين، فلا بد أن يدفعه إخوانهم من اللاحقين.
عن خباب بن الأرت رضي الله عنه: (( شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد لقينا من المشركين شده، وكان متوسدا بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال - يحثهم على الثبات في مقاومه الشرك ونصره التوحيد- قد كان الرجل من قبلكم يؤخذ، فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد مادون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه!!. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من(صنعاء) إلى (حضر موت) ، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه! ولكنكم تستعجلون ))؛ رواة البخاري.
ورحم الله الزبير بن العوام الذي فقد ساقه وولده في نفس اليوم فكان صابرا محتسبا قائلا: (اللهم إن كنت قد ابتليت فقد عافيت وان كنت قد أخذت فقد أبقيت) .انه ينظر إلي النعم الموجودة وما أكثرها ولا يلتفت إلي النعم المفقودة وما اقلها.
من يحمل أثقال الحياة:
إن أثقال الحياة لا يتحملها المهازيل أو المرضى، وإنما لا يقوم على شأنها، ويتحمل أعبائها، وينقلها من طور إلى طور إلا رجال عمالقة وأبطال صابرون، صبر الاستعلاء لا صبر الاستسلام، صبر النهوض لا صبر القعود، صبر الجهاد والعمل لا صبر الخمول والكسل، كان احد القادة يقول: اللهم قوى ظهري ولا تخفف حملي، غايته الوصول للقمة وصابرا مجاهدا محتسبا.
فالصبر منزل من منازل الدين، وقربه من قرب المقربين، ومقام من مقامات العبودية لله رب العالمين، خلق من أخلاق الصالحين الربانين، القائمين مقام الأنبياء والمرسلين، والإيمان نصفان، نصف صبر ونصف شكر، والعبد إما أن يبتليه الله ببلاء فواجبه عند ذلك الصبر، وإما أن ينعم الله عليه بنعمه فواجبه عند ذلك الشكر، عن أبى يحيى صهيب بن سنان، قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك"