إن أمر الهجرة كذلك أمر عظيم وسوف يترتب عليه إقامة دولة عظيمة، وهذه الحادثة تشكل منعطفا تاريخيا مهما في تاريخ المسلمين وفيه رسالة مفادها أن الدول لا تقوم على المعجزات ولا على الأماني وإنما تقوم على أكتاف الرجال الصابرين لذلك فإن النصر والتمكين ليس بضاعة تستورد من هنا أو من هناك وليس هبة توهب من هذا أو ذاك، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تحدث معجزة كونية لتصبح بعدها وتجد نفسك منتصرا .. !! لابد من حركة دائبة .. !! لابد من ذاتية متأهبة .. !! لابد من روح ثائرة غلابة تقاوم السكون .. !! وتنتصر علي القعود .. !! وتتغلب علي الجمود .. !! {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 218] .
المسلم المثمر الإيجابي لا ينفك عن الحركة .. !! يدعو إلى الهدي، ويأمُر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يعمر الأرض، وينشر الخير ... !!.
هذا رجل مؤمن تحرك من أقصي المدينة يدفعه إيمانه بالله، وحبه لدعوة الله، إلي نصح نبي الله {وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص: 20] .. يقطع الأميال، لا يبالي بالاتكال ولا يعبأ بالأغلال، أنكال الطغيان، وأغلال الشيطان، وإنما يحقق الآمال في الحفاظ علي الدعوة الراشدة والداعية الفعال ... !! إنها إرادة الله ... !!!
كم من الجهد بذَل، وكم مِن الثمن دفَع، وكم مِن المسافةِ قُطِع لإنقاذ حاملِ الحق! إنَّه الإيمان بالفِطرة، والحِفاظ على الدعْوة وتأمين طريقها!
وهذا داعيةٌ آخَرُ إيجابي؛ مؤمِن آل يس: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} [يس: 20 - 25] .
إنَّها قِمَّة الحركة والإيجابية في استجابة الفِطرة السليمة لدعْوة الحقِّ المستقيمة، رجلٌ سمِع الدعوة فاستجابَ لها، وحينما استشعرَ حقيقة الإيمان تحرَّكت في ضميره، فلم يستطعِ السكوت، ولم يقْبعْ في داره بعقيدته وهو يرَى الضلال مِن حوله، والفسادَ مِن فوقه ومِن تحته، يستشري في الحياة كلِّها، وإنَّما سعى بالحق الذي استقرَّ في ضميره إلى قومه، يرْفع لِواءَه، ويستظل بظلِّه، ويَمضي في طريقه.