ومسئوليته تجاه دعوته، وأراد أن يساهم في إحداث تغيير إيجابي في المجتمع أن لا يصطدم مع نواميس الكون فإنها غلابة، وأن يستخدمها، أن يسير في اتجاها وأن يتساوق معها وأن يستعين ببعضها على بعض، وأن لا يغالب سنن الله فإن من غالب سنن الله غلبته ومن غالب الله غلبه.
يجب أن يوقن الداعية أنه كالماء الجاري طاهرا في نفسه مطهرا لغيره، صالحا في نفسه مصلحا لغيره، والماء الجاري متحرك، والحركة حياة، كما أن الماء حياة {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] فالمسلم الداعية يصلح نفسه ويدعو غيره ... لا يكن كالماء الراكد سرعان ما يتلف وتخرج منه رائحة كريهة مع مرور الزمن لأنه لا يتغير ولا يتطور ... !! إنّ هذا النوع من فقه الحركة في الحياة، هو ما ينبغي على شباب الدعوة الإسلامية أن يتعلموه ويعلموه ويعوه جيدا وأن يكون شغلهم الشاغل ومحل اهتمامهم البالغ حتى تؤتي الحركة ثمارها .. !! وحركة الحياة تشهد لهذه القوانين وتشهد لكل من سار معها وواتجه باتجاهها كيف حاز النصر سواء أكان مسلما أو كافرا لأن ميزان العدل الرباني يقتضي بأنّ النصر يؤتى لكل من سعى له واتخذ أسبابه، وفي هذا يقول الله سبحانه وتعالى: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 20] وهذه الآية الكريمة تمثل سنة من سنن الله وقانونًا من القوانين التي يحكم الله بها الكون، والواقع يشهد لهذا، فكم من الدول اليوم والتي تمشت مع قوانين الله في الكون صارت في المقدمة مع أنها دول لا تمت بالإسلام بصلة، ونجد على الطرف الأخر تخلف كثير من المسلمين بسبب تصادمهم مع تلك القوانين. ولما كان يوم الهجرة إلى المدينة المنورة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي يفقه سنن الله في الكون أعد العدة وأتخذ الأسباب من تخفي، واستعمال الدليل والدعم اللوجستي والعين التي ترقب له أخبار القوم كل هذه الأسباب أتخذها رسول الله مع أنه كان بوسعه أن يدعو الله فيجري معجزة أخرى مثل معجزة البراق، ولكن ذلك كله لم يكن فلماذا إذا لم يكن البراق ساعتها؟ ولماذا يحصل معجزة مع رسول الله في هذا الموقف الصعب؟ لم تقم الدولة في المدينة - كما هو الحال بالنسبة لكل الدول - على المعجزات والأماني، وإنما قامت على فقه سنن الله في الكون، قامت على حركة الشباب والفتيات، وتضحيات الرجال والنساء، الذين قدموا الدماء والأشلاء، الذين بذلوا الأنفس والأموال .. !! التي بذلت نفسها ومالها وكل ما تملك في سبيل هذه الغاية وسبق هذا كله إعداد وتربية للمجتمع جعلت الرجل منهم يضحي بنفسه وماله وأهله في سبيل نصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولدين الله سبحانه وتعالى.