- {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} أَيْ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ، إِنْ حَمَلْتَ الْمَحِيضَ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَوْ فِي مَحَلِّ الْحَيْضِ إِنْ حَمَلْتَهُ عَلَى الِاسْمِ. وَمَقْصُودُ هَذَا النَّهْيِ تَرْكُ الْمُجَامَعَةِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَجَمَاعَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: لَهُ مِنْهَا مَا فَوْقَ الْإِزَارِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلسَّائِلِ حِينَ سَأَلَهُ-: مَا يَحِلُّ لِي مِنَ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ-:"لِتَشُدَّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا ثُمَّ شَأْنُكَ بِأَعْلَاهَا" [1] وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِعَائِشَةَ حِينَ حَاضَتْ:"شُدِّي عَلَى نَفْسِكِ إِزَارَكِ ثُمَّ عُودِي إِلَى مَضْجَعِكِ" [2] .
-جعل الله تبارك وتعالى مكانًا لنسل الرجل، وأحلّ له إتيانها في جميع الأوقات إلا في بعض الحالات التي تكون فيها المرأة متلبّسة بالعبادة كحالة الإحرام، والاعتكاف، والصيام، أو في حالة الطمث (الحيض) ، وهي حالة تشبه المرض الحسيّ، لأنها حالة إلقاء (البويضة الأنثوية) التي لم تلقّح من رحم المرأة، وغالبًا ما تصحبها الآلام وتكون المرأة غير مستعدة نفسيًا لهذه المباشرة الجنسية، التي يقصد بها استمتاع كلٍ من الزوجين بالآخر [3] .
-تقديم علة الحكم عليه حتى تتهيأ النفوس لقبول الحكم، والطمأنينة إليه، ويكون قبوله فطريًا، لقوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} .
-وجوب اعتزال المرأة حال الحيض، لقوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} .، وقد بينت السنة ماذا يعتزل منهن - وهو الجماع -، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» [4] .
-أثبت (الطب الحديث) الضرر الفادح الذي يلحق بالمرأة من جراء معاشرتها وإتيانها في حالة الطمث، فكثيرًا ما يختلط المني المقذوف من الرجل بهذه الدماء، ويتولد عن ذلك التهابات في عنق الرحم، أو في الرحم نفسه، أو يتعرض الجنين إلى التشوه إن قدّر هناك حمل، كما أن الرجل يتعرض لبعض الأضرار الجسمية، ولهذا ينصح الأطباء بالابتعاد عن المرأة في حالة (العادة الشهرية) حتى تطهر من طمثها، وفي ذلك أكبر برهان على حكمة الشريعة الغراء [5] .
- {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} يَعْنِي بِالْمَاءِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَأَنَّ الطُّهْرَ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ جِمَاعُ الْحَائِضِ الَّذِي يَذْهَبُ عَنْهَا الدَّمُ هُوَ تَطَهُّرُهَا بِالْمَاءِ كَطُهْرِ الْجُنُبِ، وَلَا يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ تَيَمُّمٌ وَلَا غَيْرُهُ [6] .
-تحريم الوطء بعد الطهر قبل الغسل، لقوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} .
(1) اخرجه البيهقي في سننه الكبرى 7/ 191، حديث رقم (14461) .
(2) أخرجه الإمام مالك في موطأه: 1/ 58.
(3) تفسير آيات الأحكام 1/ 303.
(4) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الحيض، باب 3: جواز غسل الحائض رأس زوجها ... ، حديث رقم 302.
(5) تفسير آيات الأحكام 1/ 304.
(6) تفسير القرطبي 3/ 88.