-سعة رحمة الله عزّ وجلّ، وأن هذا الدين يسر، لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} ، لأن هذا من التيسير على العباد [1] .
- {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقِيَامِ لَهُ فِي الصَّلَاةِ بِحَالِ قُنُوتٍ وَهُوَ الْوَقَارُ وَالسَّكِينَةُ وَهُدُوءُ الْجَوَارِحِ وَهَذَا عَلَى الْحَالَةِ الْغَالِبَةِ مِنَ الْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ ذَكَرَ حَالَةَ الْخَوْفِ الطَّارِئَةَ أَحْيَانًا، وَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ لَا تَسْقُطُ عَنِ الْعَبْدِ فِي حَالٍ، وَرَخَّصَ لِعَبِيدِهِ فِي الصَّلَاةِ رِجَالًا عَلَى الْأَقْدَامِ وَرُكْبَانًا عَلَى الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَنَحْوِهَا، إِيمَاءً وَإِشَارَةً بِالرَّأْسِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَ، هَذَا قَوْلُ الْعُلَمَاءِ، وَهَذِهِ هِيَ صَلَاةُ الْفَذِّ الَّذِي قَدْ ضَايَقَهُ الْخَوْفُ عَلَى نَفْسِهِ فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ أَوْ مِنْ سَبْعٍ يَطْلُبُهُ أَوْ مِنْ عَدُوٍّ يَتْبَعُهُ أَوْ سَيْلٍ يَحْمِلُهُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّ أَمْرٍ يَخَافُ مِنْهُ عَلَى رُوحِهِ فَهُوَ مُبِيحٌ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ. ولَا نُقْصَانَ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ فِي الْخَوْفِ عَنْ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا: يُصَلِّي رَكْعَةً إِيمَاءً، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إِلَّا عَلَى تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَتْ عَنْهُ [2] .
- {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} يرَخَّص لِلْمُصَلِّينَ في حَالَة الخوف الصَّلَاةِ مَاشِينَ عَلَى الْأَقْدَامِ، وَرَاكِبِينَ. وَالْخَوْفُ يَشْمَلُ الْخَوْفَ مِنْ: عَدُوٍّ، وَسَبُعٍ، وَسَيْلٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكُلُّ أَمْرٍ يُخَافُ مِنْهُ فَهُوَ مُبِيحٌ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ هَذِهِ [3] .
-جواز الحركة الكثيرة في الصلاة للضرورة، لقوله تعالى: {فَرِجَالًا} ، لأن الراجل - وهو الماشي - يتحرك حركة كثيرة [4] .
-وَتَدُلُّ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى عَظِيمِ قَدْرِ الصَّلَاةِ وتأكيد طلبها إذا لَمْ تَسْقُطْ بِالْخَوْفِ، فَلَا تَسْقُطُ بِغَيْرِهِ مِنْ مَرَضٍ وَشُغْلٍ وَنَحْوِهِ، حَتَّى الْمَرِيضُ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ فِعْلُهَا لَزِمَهُ الْإِشَارَةُ بِالْعَيْنِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَبِهَذَا تَمَيَّزَتْ عَنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ لِأَنَّهَا كُلَّهَا تَسْقُطُ بِالْأَعْذَارِ وَيُتَرَخَّصُ فِيهَا [5] .
-جواز الصلاة على الراحلة في حال الخوف، لقوله تعالى: {أَوْ رُكْبَانًا} .
- {فَاذْكُرُوا اللهَ} مَعْنَاهُ اشْكُرُوهُ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ فِي تَعْلِيمِكُمْ هَذِهِ الصَّلَاةَ الَّتِي وَقَعَ بِهَا الأجزاء، وَلَمْ تَفُتْكُمْ صَلَاةٌ مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ الَّذِي لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَهُ [6] .
(1) تفسير ابن عثيمين 3/ 182.
(2) تفسير القرطبي 3/ 224.
(3) البحر المحيط في التفسير 2/ 549.
(4) تفسير ابن عثيمين 3/ 182.
(5) البحر المحيط في التفسير 2/ 550.
(6) تفسير القرطبي 3/ 225.