الكلام فيها على بني إسرائيل حوالي أربعين آية بعد الآية التي جاء فيها ذكر الطور لذا قدّم {فَوْقَهُمُ} في النساء، و {فَوْقَكُمُ} في البقرة على الطور للأهمية، بينما في آية سورة الأعراف وصف تعالى الجبل كأنه ظُلّة وذكر {وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} ومعنى واقع بهم أي أوقع بهم أو أهلكهم وهذا كله له علاقة بالجبل ولم يذكر أي شيء عن بني إسرائيل بعد هذه الآية لذا قدّم الجبل على {فَوْقَهُمْ} [1] .
- {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} : تمسكوا بالكتب السماوية وأعملوا بمقتضاها، لا تلاوتها باللسان وترتيلها، فإن ذلك نبذ لها. وهذا يعني أن مجرد التغني بألفاظ القرآن، دون الاعتبار بعظاته، والعمل بأحكامه، لا يفيد شيئا [2] .
- {خُذُوا} أَيْ فَقُلْنَا خُذُوا، {مَا آتَيْناكُمْ} أَعْطَيْنَاكُمْ. {بِقُوَّةٍ} أَيْ بجد واجتهاد، قاله ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ. وَقِيلَ: بِنِيَّةٍ وَإِخْلَاصٍ. مُجَاهِدٌ: الْقُوَّةُ الْعَمَلُ بِمَا فِيهِ [3] .
-الواجب على أهل الملة أن يأخذوا كتابهم بقوة لا بضعف، ولين، ومداهنة، بل لابد من قوة في التطبيق، والدعوة، التطبيق على أنفسهم، ودعوة غيرهم إلى ذلك بدون فتور، ولا تراخٍ على حدّ قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [4] ، لأنه لا يتم الأمر إلا بهذا.
-عتوّ بني إسرائيل، حيث لم يؤمنوا إلا حين رفع فوقهم الطور كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم، فحينئذٍ آمنوا، وهذا الإيمان في الحقيقة يشبه إيمان المكره الذي قيل له: إما أن تؤمن، أو تُقْتَل [5] .
- {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} تَوَلَّى تَفَعَّلَ، وَأَصْلُهُ الْإِعْرَاضُ عن الأوامر والأديان والمعتقدات اتساعا وَمَجَازًا. {مِنْ بَعْدِ ذلِكَ} أَيْ مِنْ بَعْدِ الْبُرْهَانِ، وَهُوَ أَخْذُ الْمِيثَاقِ وَرَفْعُ الْجَبَلِ [6] .
(1) اسرار البيان في التعبير القرآني ص 62.
(2) تفسير المنير 1/ 184.
(3) تفسير القرطبي 1/ 437.
(4) سورة النحل: الآية 125.
(5) تفسير ابن عثيمين 1/ 227.
(6) تفسير القرطبي 1/ 438.