وليس هذا من طاعة الناس واتباع أهوائهم كما يتصور بعض من يفهم قول الله تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116] على هذا النحو، وإنما هو باب عظيم من أبواب السياسة النبوية وتقدير المصالح والمفاسد الشرعية، لا يقدر عليه إلا أهل التمكن والرسوخ في العلم، ومعلوم أن الشريعة جاءت بتحقيق المصالح وجلبها ومنع المفاسد ودرئها، وأن مدار الأحكام الشرعية على ذلك، كما صرح به غير واحد من أهل العلم، كالإمام ابن تيمية وابن القيم والشاطبي والعز بن عبد السلام وغيرهم.
والمتأمل لسيرة النبي (يجد فيها ما ذكرناه واضحًا جليًا، ومن ذلك معاهدته مع اليهود، فمعلوم أن اليهود أهل خبث ومكر وغدر وخيانة، وأنهم قتلة الأنبياء كما يشهد بذلك تاريخهم، لكن هذا لم يمنع النبي (من معاهدتهم، لما لم يظهر له ذلك من حالهم عند عقد المعاهدة، فعاملهم النبي (بمقتضى حالهم، مع كونه أعلم بهم من غيره، وذلك تأجيلًا لحربه معهم، ليتفرغ لقتال من هو أولى بالقتال منهم، فلما نقض اليهود عهدهم وتغير حالهم حاربهم النبي (.
فلا يقال في حال معاهدته معهم ثم محاربته لهم بعد ذلك أن هذا من التميع أو التلون، كما يحلو الفهم لبعض أهل زماننا ممن لم يفقهوا العلم ولم يفهموا سيرة النبي (فهماَ صحيحًا.
وحين حارب النبي (اليهود فإنه لم يحاربهم جميعًا دفعة واحدة، وإنما عامل كل طائفة منهم حسب حالها، وحارب كل طائفة منهم على حدة، وذلك عند تغير حالها لما يستوجب قتالها، ولم يبدأهم بالقتال حتى استنفذ جميع محاولات الصبر عليهم وتأليف قلوبهم، وأصبحوا خطرًا يتهدد المدينة وأمة الإسلام.
فلا يقال في محاربته أولًا لبني قينقاع وسكوته عن بني النضير وبني قريظة وغيرهم، أو في صلحه مع قريش في الحديبية ثم قتاله لها في فتح مكة، أن هذا من التلون والضبابية، وكذلك لا يقال في قتل النبي (لكعب بن الأشرف، وتركه لأبي رافع سلَّام بن أبي الحقيق لفترة، ثم قتله لأبي رافع وتركه لعبد الله بن أبي سلول وغيره من رؤوس الكفر والنفاق أن هذا من التميع والضبابية.
وإنما كان النبي (في كل ذلك ينظر للحكم الشرعي، كما ينظر للمصلحة والمفسدة العامة المترتبة على القتال من عدمه، ويراعي تغير أحوال القوم، والفروقات المؤثرة بين طوائفهم، وكذلك بين رؤوس الكفر فيهم.
فلما كان الحكم الشرعي في عدم قتال اليهود سكت عنهم، ولما كان الحكم الشرعي في قتالهم قاتلهم، ولما كانت المصلحة الشرعية في مهادنة قريش هادنها، ولما كانت المصلحة في قتالها قاتلها، وكذلك لما كانت المصلحة في قتل كعب بن الأشرف والمفسدة في تركه أمر بقتله، ولما كانت المفسدة في قتل عبد الله بن أبي سلول والمصلحة في تركه نهى عن قتله، مع كونه رأسًا بين الناس، وهذا واضح في رجوعه يوم أُحد بثلث الجيش، ويُقاس على ذلك.