الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على رسوله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
{رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي}
وبعد؛
فإن الدارس للشريعة الإسلامية وفقهها الرباني يعلم بداهة أن الله - سبحانه وتعالى - لم يخلق الناس على حالة واحدة، بل خلقهم على أحوال مختلفة، وجعل لكل حالة أحكامًا تناسبها، ومثال ذلك الخمر والميتة، فإن الله - سبحانه وتعالى - قد حرمهما بنص صريح قاطع، لكنه علم أنه سيطرأ في أحوال الناس من قد يُشرف على الهلكة ولا يجد ما يُنقذه غيرهما، فأباحهما لمن كان هذا حاله، وكذلك جعل الماء للطهارة، لكنه علم أنه سيطرأ في أحوال الناس من لا يجد الماء، أو يجده مع تعذر استعماله لمرض أو حيلولة عدو أو ضيق وقت أو غير ذلك، فأجاز له التيمم.
ويقاس على ذلك الكثير من المسائل التي تختلف الأحكام فيها باختلاف أحوال الناس، مع بقاء الحكم الشرعي في أصله ثابتًا مقررًا دون تغيير.
وهذا الاختلاف في أحوال الناس والفروق بين الأعيان والجماعات والحوادث والقضايا والنوازل هو من العوامل المؤثرة في تغير الفتيا، ولذا قرر الفقهاء أن الفتيا تختلف باختلاف أحوال الناس وأزمنتهم وأمكنتهم، والفقيه هو من يتمكن من فهم واقع الحالة التي تعرض له، والتنبه للفروق الدقيقة بينها وبين غيرها من الحالات التي قد تشبهها ظاهرًا، واستنباط ما يناسبها من الأحكام الشرعية.
وهذا الأمر هو من البدهيات المقررة لدى طالب العلم، وهو أكثر بداهةً وتقريرًا عند من تصدر للفتيا والكلام في النوازل، والحكم على الأعيان والطوائف والجماعات.
وهو كذلك من بدهيات السياسة الشرعية، ومما ينبغي أن يعلمه كل من تصدر لقيادة هذه الأمة، سواء كان قائدًا لها في الجهاد، أو في السياسة والتعامل مع الأمم.
وقد كان النبي (يراعى هذه الفروق في تعامله مع الناس، وكان تعامله مع الناس يختلف باختلاف أحوال من يتعامل معهم، وكان إذا أراد الجهاد يراعي فهم الناس لدواعي القتال، وألا يكون هذا القتال سببًا في تنفير الناس من الدخول في الإسلام، كما جاء في البخاري(4905) ومسلم (63/ 2584) أن النبي (قال لعمر بن الخطاب > لما أراد قتل عبد الله بن أبي بن سلول: {دَعْهُ، لَا يَتَحَدَثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصحَابَهُ} .
فإذا كان القتال غير مفهوم لدى الناس أو كان سببًا في تنفيرهم لم يُقاتِل، ولو كان القتال جائزًا شرعًا، فإن ظهرت مبرراته للناس قاتل وأقدم عليه.