الصفحة 102 من 207

وقد رأيت كلامًا للعلامة عبد الرحمن البراك -حفظه الله- أطلق فيه القول بأن مجرد الجس على المسلمين لا يكون ردة، وجعل ما فعله حاطب مظاهرة، وكلاهما -فيما يظهر لي- مجانبٌ للصواب، فإن التكفير بمجرد الجس لم يزل معروفًا بين العلماء كما ستأتي أقوالهم، ووصْفُ ما فعله حاطب -رضي الله عنه- بالمظاهرة غير ظاهر كما قد رأيت، فقد فقال -حفظه الله وبارك في علمه وعمره-: [وهذا الجاسوس الذي يجس على المسلمين وإن تحتم قتله عقوبة فإنه لا يكون بمجرد الجس مرتدًا، ولا أدل على ذلك من قصة حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه- فقد أرسل لقريش يخبرهم بمسير النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم، ولما أطلع اللهُ نبيَه على ما حصل من حاطب، وعلى أمر المرأة التي حملت الكتاب عاتب النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حاطبًا على ذلك، فاعتذر بأنه ما حمله على ذلك إلا الرغبة في أن يكون ذلك يدًا له عند قريش يحمون بها أهله وماله، فقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - عذره، ولم يأمره بتجديد إسلامه، وذكر ما جعل الله سببًا لمغفرة الله له، وهو شهوده بدرًا.[1]

وهذه مظاهرة أي مظاهرة، فإطلاق القول بأن مطلق المظاهرة -في أي حال من الأحوال- يكون ردة ليس بظاهر. فإن المظاهرة تتفاوت في قدرها ونوعها تفاوتًا كثيرًا، وقوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [المائدة:51] ،لا يدل على أن أي تولٍّ يوجب الكفر، فإن التولي على مراتب، كما أن التشبه بالكفار يتفاوت وقد جاء في عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» [2]

،ومعلوم أنه ليس كل تشبه يكون كفرًا فكذلك التولي. [3]

والأغرب من هذا حكايته الإجماع على عدم كفر الجاسوس! في أجوبته على أسئلة أعضاء ملتقى أهل الحديث حينما سأل: ما هو الفعل الذي وقع فيه الصحابي حاطب؟ ومن أي نوع هو؟ وهل من فعل مثل ما فعل حاطب الآن لا يكفر؟ فأجاب -وفقه الله-: [ ... فلم

(1) - صحيح البخاري (3983) ، وصحيح مسلم (2494) .

(2) - سنن أبي داود (4/ 44) (4031) صحيح

(3) - فتاوى واستشارات الإسلام اليوم (16/ 431)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت