ولهذا كان جواب حاطب عن هذا السؤال، وبيانه للدافع له على ذلك مقرونًا بنفي إرادة الكفر وقصد الارتداد عن الدين كما جاء في الرويات بألفاظ مختلفة منها: [قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ - قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا - وَكَانَ مِمَّنْ كَانَ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ] [1]
وفي أخرى: [قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلاَ ارْتِدَادًا، وَلاَ رِضًا بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلاَمِ] [2]
وفي رواية أيضًا: قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلَكِنِّي كُنْتُ غَرِيبًا فِي أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَانَ أَهْلِي بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخَشِيتُ عَلَيْهِمْ، فَكَتَبْتُ كِتَابًا لَا يَضُرُّ اللهَ وَرَسُولَهُ شَيْئًا، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَهْلِي] [3]
ومن المعلوم قطعًا أن القصة واحدة وأن مدلول هذه الروايات -وإن كانت ألفاظها مختلفة- متفقٌ وهو نفي حاطب لأن يكون فعل ما فعل لأجل الكفر، أو الرضى به، أو الارتداد عن الدين، أو لعدم إيمانه بالله ورسوله.
فهنا ثلاث قضايا:
القضية الأولى: تتعلق بسؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - لحاطب رضي الله عنه، فقد يقال إن سؤاله - صلى الله عليه وسلم - عن الحامل يدل على تعدده وتنوعه، إذ لو كان الدافع واحدًا -لا يحتمل التعدد- لوقع محددًا معينًا، وحينئذٍ لا يُتصور البحث عن دوافع أخرى لعدم وجودها أصلًا، كما أن سؤاله عن تلك الدوافع مع عدم تأثيرها في الحكم وتأثره بها ينزل منزلة اللغو الذي ينزه عنه - صلى الله عليه وسلم -،ومثل ذلك فيما لو كانت تلك الدوافع كلها بمرتبة واحدة (أي الكفر) ،فيكون سؤاله آنذاك في
(1) صحيح مسلم (4/ 1941)
(2) - صحيح البخاري (4/ 59)
(3) - شرح مشكل الآثار (11/ 268)