الصفحة 127 من 207

أما الجاسوس فلا يُتصور فيه الإكراه المعتبر شرعًا، ولا يقبل منه إن ادعى ذلك؛ لأنه حينما يؤدي مهنته ويمارس مهمته يكون طليقًا لا مُكرِه له ولا مُجبِر ولا مُلجِئ.

وفي قوله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران/28] قال الإمام البغوي -رحمه الله-: [وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ وَمُدَاهَنَتِهِمْ وَمُبَاطَنَتِهِمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ غَالِبِينَ ظَاهِرِينَ، أَوْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ يَخَافُهُمْ فَيُدَارِيهِمْ بِاللِّسَانِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَحِلَّ دَمًا حَرَامًا أَوْ مَالًا حَرَامًا، أَوْ يُظْهِرَ الْكُفَّارَ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ"] [1] "

بل يمكنه أن يقوم بخلاف ما"عاهد"عليه أولياءه الكفرة وينفع المسلمين نفعًا عظيمًا ويضر أعداءهم ضررًا بليغًا، ومن هنا نعلم أن ضرره على الإسلام والمسلمين أفدح وأن مهنته التي يقوم بها أقبح، ودائرة إعذاره أضيق فكان حريًا بتغليظ عقوبته لا بتخفيفها لمشابهة حاله لحال المنافقين الذين استحقوا أشد الجزاء الأخروي وأفظعه فكانوا في الدرك الأسفل من النار.

مجمل أقوال العلماء في حكم (الجاسوس المسلم)

للعلماء في حكم قتل الجاسوس المسلم أقوال متعددة، وبعضها متداخل مع بعض، وقد يضع بعضهم قيودًا يغفلها غيرهم، ولكن مدارها على الأقوال التالية:

القول الأول: أن الجاسوس المسلم لا يجوز قتله وهو مذهب الحنفية والشافعية.

القول الثاني: أن حكم الجاسوس المسلم حكم الزنديق فإن جاء تائبًا قبل القدرة عليه قبلت توبته، وإلا قتل ولا بد، وهو قول ابن القاسم، وسحنون من أئمة المالكية ومشهور المذهب.

القول الثالث: أن حكمه حكم المرتد يُستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وهو قول ابن وهب من أئمة المالكية.

(1) - تفسير البغوي - طيبة (2/ 26)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت