الصفحة 149 من 207

على ذلك من تغليظ الحكم في حقهم، ومضاعفة العقوبة تبعًا لتضاعف ضررهم واتساع شرهم.

فهم أولى بأن لا تقبل توبتهم بعد القدرة عليهم، ويتعين قتلهم لشدة ضررهم وعِظم نكايتهم وظهور فسادهم، والآية المذكورة وإن كان العلماء يذكرونها في أحكام قطاع الطرق إلا أن كثيرًا منهم يستدلون بها على غير ذلك، ويجعلون الأوصاف التي ذكرت فيها (المحاربة والفساد في الأرض) أعم من كونها مقتصرة على قطاع الطرق، وفي مثل هذا يقول شيخ الإسلام -رحمه الله-:[فكل من امتنع من أهل الشوكة عن الدخول في طاعة الله ورسوله؛ فقد حارب الله ورسوله، ومن عمل في الأرض بغير كتاب الله وسنة رسوله؛ فقد سعى في الأرض فسادًا، ولهذا تأول السلف هذه الآية على الكفار وعلى أهل القبلة حتى أدخل عامة الأئمة فيها قطاع الطريق الذين يشهرون السلاح لمجرد أخذ الأموال، وجعلوهم بأخذ أموال الناس بالقتال محاربين لله ورسوله ساعين في الأرض فسادًا؛ وإن كانوا يعتقدون تحريم ما فعلوه ويقرون بالإيمان بالله ورسوله.

فالذي يعتقد حِلَّ دماء المسلمين وأموالهم ويستحل قتالهم أولى بأن يكون محاربًا لله ورسوله ساعيًا في الأرض فسادًا من هؤلاء، كما أن الكافر الحربي الذي يستحل دماء المسلمين وأموالهم ويرى جواز قتالهم أولى بالمحاربة من الفاسق الذي يعتقد تحريم ذلك، وكذلك المبتدع الذي خرج عن بعض شريعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنته واستحل دماء المسلمين المتمسكين بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشريعته وأموالهم هو أولى بالمحاربة من الفاسق؛ وإن اتخذ ذلك دينًا يتقرب به إلى الله، كما أن اليهود والنصارى تتخذ محاربة المسلمين دينًا تتقرب به إلى الله.] [1]

وقال أيضًا -رحمه الله-: [وعلى هذا المأخذ: فقتلهم من باب قتل المفسدين المحاربين، لأن المحاربة باللسان كالمحاربة باليد. ويشبه قتل المحاربين للسنة بالرأي قتل المحاربين لها بالرواية، وهو قتل من يتعمد الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كذب عليه في حياته، وهو حديث جيد، لما فيه من تغيير سنته. وقرر أبو العباس هذا

(1) - المنتخب من كتب شيخ الإسلام (ص: 121) ومجموع الفتاوى (28/ 470)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت