الأول: هو الاقتصار على الشاهدين أو الإقرار طوعًا في إثبات تهمة التجسس على أي فرد مهما كانت قرائن الحال وملابساته تقطع بتورطه، وهذا يؤدي يقينًا إلى إطلاق أيدي العدو في استمرار تقتيل المجاهدين، واعتقالهم، ودك مراكزهم، بسبب العجز التام عن إثبات التهمة على أي فردٍ من الأفراد بهذه الطريقة.
الثاني: القطع بأن هناك طرقًا (شرعية) أخرى تثبت بها جريمة التجسس على كل مَن تلبس بها، بحيث تكون حاسمة في كف عاديتهم، ومناسبة لضخامة المعركة التي يخوضها المجاهدون ضدهم، من غير أن يقع ظلم أو حيف على أحد.
فنحن نعلم قطعًا أن الشرع أمرنا بقتال الكفرة، وأوجب علينا جهادهم، ويتعين هذا الحكم عندما يكون قتالنا دفعًا لشرهم وإنقاذًا لبلاد المسلمين من سطوة جيوشهم، فقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:123] .
كما أن الواقع شاهد شهادة لا لبس فيها أن جيوش الكفرة قد داهمت كثيرًا من بلدان المسلمين وتغلبت عليها وقهرت أهلها مثل أفغانستان، والعراق، وفلسطين، والصومال، هذا سوى البلاد التي تغلب عليها المرتدون فقاموا بما قام به هؤلاء المحتلون وزيادة، فصار الجهاد في بلاد المسلمين بسبب هذه المداهمة والتسلط واجبًا شرعيًا متعينًا على أهلها حتى ينقذوها ويردوها إلى حظيرة الإسلام وتحكمها شريعة الرحمن، وهذا باتفاق أهل العلم كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [وَأَمَّا قِتَالُ الدَّفْعِ فَهُوَ أَشَدُّ أَنْوَاعِ دَفْعِ الصَّائِلِ عَنْ الْحُرْمَةِ وَالدِّينِ فَوَاجِبٌ إجْمَاعًا فَالْعَدُوُّ الصَّائِلُ الَّذِي يُفْسِدُ الدِّينَ وَالدُّنْيَا لَا شَيْءَ أَوْجَبَ بَعْدَ الْإِيمَانِ مِنْ دَفْعِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ شَرْطٌ بَلْ يُدْفَعُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فَيَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ دَفْعِ الصَّائِلِ الظَّالِمِ الْكَافِرِ وَبَيْنَ طَلَبِهِ فِي بِلَادِهِ، وَالْجِهَادُ مِنْهُ مَا هُوَ بِالْيَدِ وَمِنْهُ مَا هُوَ بِالْقَلْبِ وَالدَّعْوَةِ وَالْحُجَّةِ وَاللِّسَانِ وَالرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ وَالصِّنَاعَةِ فَيَجِبُ بِغَايَةِ مَا يُمْكِنُهُ وَيَجِبُ عَلَى الْقَعَدَةِ لِعُذْرٍ أَنْ يَخْلُفُوا الْغُزَاةَ فِي أَهْلِيهِمْ وَمَالِهِمْ قَالَ الْمَرْوَزِيِّ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْغَزْوِ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ فِي مِثْلِ الْكَانُونَيْنِ