فبعد هذا التقديم والتوطيد فالذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أنه لا يتعين على المجاهدين في هذه النازلة الاقتصار على (الشاهدين أو الإقرار) لإثبات جريمة التجسس بحق من اتُهِم بها من هؤلاء الذين فشا شرهم، وتضاعف ضررهم، وعم فسادهم، بل الأمر أوسع من ذلك بكثير، وإنما قلت ذلك للأسباب التالية:
أولًا: بعد التأمل والتملِّي فالذي يظهر - والله تعالى أعلم- أن المسألة النازلة من رأسها ليست هي من مسائل القضاء بجوانبه الكاملة وأحكامه الشاملة، لانعدام التمكّن الحقيقي التام الذي يستطيع معه الناظر في هذه القضايا تتبعَها تمامًا كما يفعل القاضي في دولة الإسلام الممكّنة، وإذا كان هذا متيسرًا -أحيانًا- في بعض المواطن أو الحالات، فقطعًا ليس هو الصورة العامة الشاملة لجميع ساحات الجهاد، والمستوعبة لكل حالات هذه القضايا، فنظر القاضي إنما يكون في حق المقدور عليه الذي تشمله سلطته وولايته وقدرته، بحيث يُجري عليه ما يناسب حاله من استدعاء أو إخلاء، أو حبس، أو إلزامٍ بحكمٍ أو حقٍ، أما إذا حصل العجز إما لفقد القاضي للقوة والسلطة والولاية الملزمة، وإما لامتناع من يريد إجراء الحكم عليه، فأنى له - في مثل هذه الحالات - النظر في القضايا نظرًا قضائيًا مجردًا.
ولهذا فرق الشرع في مسألة قطاع الطرق بين حالة امتناعهم وعجز السلطان عن استيفاء الحقوق منهم وإقامة الحد عليهم، وبين حالة القدرة عليهم والتي تشمل انكسار شوكتهم وتمكّن السلطة منهم وإلزامهم بما يحكم به القاضي عليهم، لأن معنى القدرة عليهم هو التمكن من عقوبتهم بالحد بشروطه الوافية لدخولهم تحت سلطان المسلمين وذهاب قوتهم التي يمتنعون بها عن ذلك، كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [معنى القدرة عليهم: إمكان الحد عليهم لثبوته بالبينة أو بالإقرار، وكونهم في قبضة المسلمين، فإذا تابوا قبل أن يؤخذوا سقط ذلك عنهم] [1]
(1) - الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص: 507)