الصفحة 20 من 207

وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم:15 - 17] .

وليعلموا أن وراءهم يوما طويلًا، وعذابا وبيلًا، وحسابًا عسيرًا، يسألون فيه عن كل دم يهراق بتجسسهم، وكل عرض انتهك بوشايتهم، وكل بيت هدِّم بأخبارهم، وكل طفل يُتِّم بجشعهم، وكل مسلم أُسر بملاحقاتهم، فليُعدوا لذلك كله جوابًا لن تقوم مقامه المخادعات والتمويهات، وما زال في العمر سعة لمن أراد أن يتوب ويؤوب ويقلع عن هذه المهنة الخسيسة القذرة التي يتنزه عنها كل شريف، فضلًا عن رجلٍ يدعي الانتماء للدين الحنيف، ويزعم الولاء للمؤمنين وإن أصروا واستكبروا وتمادوا فجهنم تسعهم وتسع الملايين من أمثالهم: {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ *طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} [الدخان:43 - 50] . [1]

التَّجَسُّسُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَرْبِ:

الْجَاسُوسُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ، وَقَدْ أَجَابَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ سُؤَال هَارُونَ الرَّشِيدِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُكْمِ فِيهِمْ، فَقَال: وَسَأَلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْجَوَاسِيسِ يُوجَدُونَ وَهُمْ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ أَوْ أَهْل الْحَرْبِ أَوْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْل الْحَرْبِ أَوْ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ مِمَّنْ يُؤَدِّي الْجِزْيَةَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْل الإِْسْلاَمِ مَعْرُوفِينَ فَأَوْجِعْهُمْ عُقُوبَةً، وَأَطِل حَبْسَهُمْ حَتَّى يُحْدِثُوا تَوْبَةً. [2]

وَقَال الإِْمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: وَإِذَا وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا - مِمَّنْ يَدَّعِي الإِْسْلاَمَ - عَيْنًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَكْتُبُ إِلَيْهِمْ بِعَوْرَاتِهِمْ فَأَقَرَّ بِذَلِكَ طَوْعًا فَإِنَّهُ لاَ يُقْتَل، وَلَكِنَّ الإِْمَامَ يُوجِعُهُ عُقُوبَةً. ثُمَّ قَال: إِنَّ مِثْلَهُ لاَ يَكُونُ مُسْلِمًا حَقِيقَةً، وَلَكِنْ لاَ يُقْتَل لأَِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ مَا بِهِ حُكِمَ بِإِسْلاَمِهِ فَلاَ يَخْرُجُ عَنِ الإِْسْلاَمِ فِي الظَّاهِرِ مَا لَمْ يَتْرُكْ مَا بِهِ دَخَل فِي

(1) -المعلم في حكم الجاسوس المسلم (ص: 18)

(2) - الخراج لأبي يوسف 205 - 206. والخراج لأبي يوسف (ص: 190)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت