الصفحة 37 من 207

يُعْجِبُنِي أَنْ تَكَلَّمُوا، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّ النَّاسَ كَانُوا يَجْتَمِعُونَ وَكَانُوا يُشْهِرُونَ. وَهَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ أَنَّهُ لَزِمَ الْقَادِرَ الْحُضُورُ وَالْإِنْكَارُ، وَإِلَّا لَمْ يَحْضُرْ وَانْصَرَفَ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُعْتَمَدِ: وَلَا يَجِبُ عَلَى الْعَالِمِ وَالْعَامِّيِّ أَنْ يَكْشِفَ مُنْكَرًا قَدْ سُتِرَ، بَلْ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ كَشْفُهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلا تَجَسَّسُوا} [الحجرات:12] .

وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى إرَاقَةِ الْخَمْرِ وَجَبَ عَلَيْهِ إرَاقَتُهَا، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ إذَا أَظْهَرُوا الْخَمْرَ، فَإِنَّهُمْ يُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ أَيْضًا بِإِرَاقَتِهَا، وَشَقِّ ظُرُوفِهَا وَكَسْرِ دِنَانِهَا، وَإِنْ كُنَّا لَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ إذَا أَسَرُّوا ذَلِكَ بَيْنَهُمْ. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي إنْكَارِ الْمُنْكَرِ الْمَسْتُورِ، وَلَمْ نَجِدْ فِيهِ خِلَافًا، وَمَعْنَاهُ كَلَامُ صَاحِبِ النَّظْمِ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ بَعْدَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: وَقِيلَ: مَنْ عَلِمَ مُنْكَرًا قَرِيبًا مِنْهُ فِي دَارٍ وَنَحْوِهَا دَخَلَهَا، وَأَنْكَرَهُ.

وَقَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: الْمُسْتَتِرُ مَنْ فَعَلَهُ بِمَوْضِعٍ لَا يُعْلَمُ بِهِ غَالِبًا إمَّا لِبُعْدِهِ أَوْ نَحْوِهِ غَيْرُ مَنْ حَضَرَهُ وَيَكْتُمُهُ، وَأَمَّا مَنْ فَعَلَهُ بِمَوْضِعٍ يُعْلَمُ بِهِ جِيرَانُهُ، وَلَوْ فِي دَارِهِ فَإِنَّ هَذَا مُعْلِنٌ مُجَاهِرٌ غَيْرُ مُسْتَتِرٍ." [1] "

وفي البحر الزخار:"وَلَا يَجُوزُ التَّجَسُّسُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا تَجَسَّسُوا} وَلَكِنْ يُنْكِرُ مَا ظَهَرَ (ن) وَلَهُ أَنْ يَهْجُمَ إنْ غَلَبَ فِي ظَنِّهِ الْمُنْكَرُ لِسَمَاعِ طُمْطُمَةٍ أَوْ نَحْوِهَا." [2]

وفي أسنى المطالب:" (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِكُلٍّ مِنْ الْآمِرِ وَالنَّاهِي (التَّجَسُّسُ) وَالْبَحْثُ (وَاقْتِحَامُ الدُّورِ بِالظُّنُونِ) بَلْ إنْ رَأَى شَيْئًا غَيَّرَهُ (فَإِنْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِمَنْ اسْتَسَرَّ) أَيْ اخْتَفَى (بِمُنْكَرٍ فِيهِ انْتِهَاكُ حُرْمَةٍ يَفُوتُ تَدَارُكُهَا كَالزِّنَا وَالْقَتْلِ) بِأَنْ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا خَلَا بِامْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا أَوْ بِشَخْصٍ لِيَقْتُلَهُ (اقْتَحَمَ لَهُ الدَّارَ) وَتَجَسَّسَ وُجُوبًا فَتَعْبِيرُهُ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ نَقْلًا عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ بِالْجَوَازِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ انْتِهَاكُ حُرْمَةٍ (فَلَا) اقْتِحَامَ وَلَا تَجَسُّسَ كَمَا مَرَّ." [3]

وفي الزواجر:"وَمِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَرِقَ السَّمْعَ مِنْ دَارِ غَيْرِهِ، وَأَنْ لَا يَسْتَنْشِقَ وَلَا يَمَسَّ ثَوْبَ إنْسَانٍ لِيَسْمَعَ أَوْ يَشُمَّ أَوْ يَجِدَ مُنْكَرًا، وَأَنْ لَا يَسْتَخْبِرَ مِنْ صِغَارِ"

(1) - الآداب الشرعية والمنح المرعية (1/ 258)

(2) - البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار - زيدية (16/ 333)

(3) - أسنى المطالب في شرح روض الطالب (4/ 180)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت