ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:اذْهَبُوا بِهِ، فَاقْطَعُوا عَنِّي لِسَانَهُ، فَأَعْطَوْهُ حَتَّى رَضِيَ، فَكَانَ ذَلِكَ قَطْعَ لِسَانِهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. [1]
وفي رواية:"فَبَلَغَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَوْلُهُ فَدَعَاهُ، فَقَالَ:"أَنْتَ الْقَائِلُ: أَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعُبَيْدِ بَيْنَ الْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةَ"فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: بِأَبِي وَأُمِّي أَنْتَ لَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ، وَلَا وَاللهِ مَا أَنْتَ بِشَاعِرٍ وَمَا يَنْبَغِي لَكَ، وَمَا أَنْتَ بِرَاوِيَةٍ، قَالَ: «فَكَيْفَ؟» فَأَنْشَدَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم:"سَوَاءٌ هُمَا مَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِمَا بَدَأْتَ: بِالْأَقْرَعِ، أَمْ عُيَيْنَةَ"،فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «اقْطَعُوا عَنِّي لِسَانَهُ» ،فَفَزِعَ مِنْهَا، وَقَالُوا: أَمَرَ بِعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ يُمَثَّلُ بِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِقَوْلِهِ «اقْطَعُوا عَنِّي لِسَانَهُ» أَنْ يَقْطَعُوهُ بِالْعَطِيَّةِ مِنَ الشَّاءِ وَالْغَنَمِ" [2]
وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْقَطْعَ فِي الْحَقِيقَةِ.
وَهَذَا أَيْضًا يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ فَقْءَ الْعَيْنِ وَالْمُرَادُ: أَنْ يَعْمَل بِهِ عَمَلًا حَتَّى لاَ يَنْظُرَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ.
وَفِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ: وَلَوْ نَظَرَ مِنْ كُوَّةٍ أَوْ مِنْ بَابٍ فَفَقَأَ عَيْنَهُ صَاحِبُ الدَّارِ ضَمِنَ، لأَِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى زَجْرِهِ وَدَفْعِهِ بِالأَْخَفِّ، وَلَوْ قَصَدَ زَجْرَهُ بِذَلِكَ فَأَصَابَ عَيْنَهُ وَلَمْ يَقْصِدْ فَقْأَهَا فَفِي ضَمَانِهِ خِلاَفٌ. [3]
وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ الْمُطَّلِعِ إِلاَّ بِفَقْءِ عَيْنِهِ فَفَقَأَهَا لاَ ضَمَانَ، وَإِنْ أَمْكَنَ بِدُونِ فَقْءِ عَيْنِهِ فَفَقَأَهَا فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ.
أَمَّا إِذَا تَجَسَّسَ وَانْصَرَفَ فَلَيْسَ لِلْمُطَلَّعِ عَلَيْهِ أَنْ يَفْقَأَ عَيْنَهُ اتِّفَاقًا .. [4]
أَمَّا عُقُوبَةُ الْمُتَجَسِّسِ فَهِيَ التَّعْزِيرُ، إِذْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ حَدٌّ مُعَيَّنٌ، وَالتَّعْزِيرُ يَخْتَلِفُ وَالْمَرْجِعُ فِي تَقْدِيرِهِ إِلَى الإِْمَامِ. [5]
(1) - سيرة ابن هشام ت السقا (2/ 494) والاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والثلاثة الخلفاء (1/ 539) والروض الأنف ت السلامي (7/ 359) والسيرة النبوية لابن كثير (3/ 681)
(2) - دلائل النبوة للبيهقي مخرجا (5/ 181) صحيح مرسل
(3) - تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام (2/ 348)
(4) - تفسير القرطبي 12/ 212 - 213 ط دار الكتب، وتبصرة الحكام 2/ 304، والمغني 8/ 325، 9/ 189 وما بعدها، وابن عابدين 5/ 353.
(5) - ابن عابدين 3/ 251، والزيلعي 3/ 207، 208، وتبصرة الحكام بهامش فتح العلي المالك 2/ 80، 308، وتحفة المحتاج 9/ 175 - 181، ومغني المحتاج 4/ 191، 192، 193، وحاشية القليوبي 4/ 205 - 259، والمغني 5/ 52 و8/ 325، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 295، 296.