الصفحة 51 من 207

{وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [فصلت:22،23] فأين أين موالاة حاطب رضي الله عنه من موالاة هؤلاء المجرمين.

مع استحضار ما نبهت عليها آنفًا من أن أعمال جواسيس العصر لا تقتصر على كتابة التقارير ونقل الأخبار وكشف الأسرار بل تتعداها إلى المشاركة الفعلية والممارسة العملية للتقتيل والأسر والترويع والمداهمات وغير ذلك فليكن هذا منك على بال. [1]

قال العلامة حمد بن عتيق -رحمه الله-:[ففي هذه السورة مع سبب نزولها، من الأدلة على وجوب عداوة الكفار ومقاطعتهم أدلة كثيرة:

فنهى تعالى أهل الإيمان عن اتخاذ عدوه وعدوهم وليا، وهذا تهييج على عداوتهم، فإن عداوة المعادي لربك باعثة وداعية إلى عداوتك له ... ثم قال: (تلقون إليهم بالمودة) وهذا كاف في إبطال شبهة المشبهين، فإنه إذا أنكر عليهم موالاة المشركين وموادتهم قالوا: لم يصدر منا ذلك، وهم مع ذلك يعينون أهل الباطل بأموالهم، ويذبون عنهم بألسنتهم، ويكاتبونهم بعورات المسلمين. فأين هذا من الكتاب الذي نزلت فيه هذه السورة؟ وقد سماه الله إلقاء بالمودة!،وهذا ظاهر جدًا.] [2]

الثالث: أن إطلاع الكفار على عوارت المسلمين، يعنى اتخاذهم أنصارًا، سواء بمعنى أن المتجسس صار بتجسسه مناصرًا ومظاهرًا لهم، أو بمعنى أنهم صاروا أنصارًا له، وكلا الأمرين منهي عنه، لأن معنى (أولياء) في الآية: أنصار كما قاله الإمام ابن جرير.

فجعل الله تعالى التجسس للكفار اتخاذًا لهم أولياء، فكل متجسس للكفار على المسلمين قد صيَّرهم بتجسسه أولياء له وأنصارًا، فمن المعلوم أن صورة سبب النزول قطعية الدخول كما هو قول جماهير العلماء، وصنيع المحدثين في كتبهم يدل عليه كما مر، قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى:"وَقَدْ أَجْمَعَ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ عَلَى أَنَّ صُورَةَ سَبَبِ النُّزُولِ"

(1) - المعلم في حكم الجاسوس المسلم (ص: 24) فما بعد

(2) - (سبيل النجاة والفكاك) نقلا عن المعلم في حكم الجاسوس المسلم (ص: 26)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت