ثانيًا: نشأته: كان العز بن عبد السلام بعيش في أسرة فقيرة مغمورة لم يكن لها مجد أو سلطان أو منصب، أو علم، فقد ولد العز بن عبد السلام في دمشق الشام، وهي وقتئذ مركز هام للعلم والمعرفة وقبلة للعلماء والفقهاء، وخط مواجهة أمامي مع الصليبيين الغزاة الذين احتلوا مدنًا وحصونًا عديدة في فلسطين وساحل بلاد الشام كما كانت دمشق ممتليئة بنعم الله وخيراته الوفيرة من ماء عذب وزراعة وصناعة وتجارة درت عليها الرزق الواسع والخير الوفير، في هذه المدنية العريقة ولد العز بن عبد السلام ونشأ في ربوعها وتنسم هواءها وترعرع في أجوائها، وقد انشغلت أسرته بطلب الرزق عن طلب العلم، إلا أن العز كان منذ نشأته الأولى عفيفًا شريفًا يملك نفسًا أبيه، إذ لم يعرف عنه أنه امتهن مهنة تزري بصاحبها، أو تحط من شأنه، وكان رحمه الله شابًا متدينًا، متعبدًا رغم فقره، وكده على رزقه، ولا أدل على ذلك من مبيته في المسجد الليالي الطوال [1] ، ينتظر الصلاة كي لا تفوته الجماعة، أو يغيب عن الصلاة والعبادة فيه، وقد ذكر السبكي ت 771هـ قوة إيمان هذا الشاب وشدة فقره وتدينه حيث قال: سمعت الشيخ الإمام يقول: كان الشيخ عز الدين في أول أمره فقيرًا جدًا، ولم يشتغل إلا على كبر، وسبب ذلك أنه كان يبيت في الكلاسة [2] من جامع دمشق، فبات بها ليلة ذات برد شديد فاحتلم فقام مسرعًا، ونزل في بركة الكلاسة [3] من جامع دمشق، فبات بها ليلة ذات برد شديد، فاحتلم فقام مسرعًا، ونزل في بركة الكلاسة فحصل له ألم شديد، وعام فنام فاحتلم ثانيًا، فعاد إلى البركة لأن أبواب الجامع مغلقة وهو لا يمكنه الخروج، فطلع فأغمى عليه من شدة البرد"..."
(1) النجوم الزاهرة (7/ 209) ، مرآة الجنان (4/ 158) .
(2) الكلاسة: زاوية في الجانب الشمالي من جامع دمشق.
(3) فتاوي شيخ الإسلام العز بن عبد السلام ص 66.